فهرس الكتاب

الصفحة 11848 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فحينما يأتي إنسان إلى رجل حكيم يطلب منه الوصية بما هو خير له فإنه يرى نفسه مسؤولا عنه ,وذلك بأن يمنحه خالص نصحه , فكيف إذا كان من طُلب منه النصح هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى ؟

ولقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني , قال: لاتغضب , فردد مرارًا قال: لاتغضب. أخرجه الإمام البخاري (صحيح البخاري رقم 6116 , الأدب ,(10/519) من حديث أبي هريرة ).

ومعنى اجتناب الغضب أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب فلا يُقْدم على قول أو فعل يندم عليه في حال الرضى , بحيث يكون كل سلوكه محكوما بعقله السليم في حالتي الغضب والرضى , لا بالغرائز الجامحة .

وإذا كان سلوك الإنسان محكوما بوحي من عقله السليم فإنه يحوز الخير كله ويبتعد عن الشر كله , لأن العقل السليم ينسجم تماما مع الدين الإسلامي الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها .

وهكذا جاءت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل في كلمة واحدة , ولكن هذه الكلمة تتضمن توجيها عاليا نحو السلوك الأمثل , فالإنسان في حال الغضب يتصرف بدافع من عاطفته بعيدا عن تحكم العقل الرشيد , فلا يؤمَن - والحال هذه - عليه أن يتفوه بكلام سفاهة أو أن يعتدي بجوارحه على من غضب عليه,فالحلم عند الغضب ضمان لسلوك المسلم في كف أذاه بلسانه ويده.

وإذا علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل كف الأذى رمزًا للمسلم الحق وذلك في قوله"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"فإننا نعلم سمو المقاصد التي اشتمل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث"لاتغضب".

ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمة الإنسان الذي يملك نفسه عند الغضب بقوله"ليس الشديد بالصُّرَعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (صحيح البخاري رقم 6114 , الأدب( 10/518) .

فالشديد ليس هو القوي في بدنه الذي يصرع الرجال , وإن كان هذا يعدُّ في عرف الناس شديدًا , إنما الشديد حقا هو الذي يملك نفسه عند الغضب , لأنه استطاع أن يتغلب على ثلاثة:

1-على من أغضبه لأنه حينما يملك نفسه ويحجم عن الرد على مخاصمه يكون قد غلبه بحسن الخلق والسبق إلى الفضيلة , حيث بادر إلى حسم الموقف والقضاء على الفتنة قبل أن يستعر أوارها ويشتد لهيبها .

2 -على شيطانه الذي يبادر إلى حضور الموقف منذ أن يبدأ النزاع ويظهر الغضب .

3 -على شيطان خصمه الذي يحضر أيضا ويشارك في إيقاد نار الفتنة .

ولقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم من ملك نفسه عند الغضب بالجزاء العظيم في الآخرة كما جاء في قوله"من كظم غيظا - وهو يستطيع أن ينفذه - دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء" ( أخرجه الإمامان أبو داود والترمذي من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه , وهو حديث حسن(سنن الترمذي رقم 2021 , البر والصلة , باب من جاء في كظم الغيظ , سنن أبي داود رقم 4777 , الأدب و باب من كظم غيظا) .

فهذا ثواب جزيل لعمل جليل , فالذي يكظم غيظه ويحكم نفسه فلا يتصرف بما لايليق طاعةً لله تعالى فإنه يستحق هذا الجزاء الكبير , ذلك لأن كبح جماح النفس ساعة الغضب ليس بالشيء اليسير , فإذا فعل الإنسان مايشق عليه ابتغاء رضوان الله تعالى فإنه قد بلغ درجة عالية من الإيمان .

ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنواع من السلوك القولي والفعلي بقصد صرف النفس عن أي تصرف يتنافى مع الدين والعقل السليم , فمن ذلك ما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم من حديث سليمان بن صُرَد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس, وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه مايجد , لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , فقالوا للرجل: ألا تسمع مايقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني لست بمجنون (صحيح البخاري رقم 6115 , الأدب(10/518) ،

صحيح مسلم , رقم 2610 , البر ( ص 2015)

وهذا يبين أن صاحب هذا القول إما منافق أو أعرابي لايفقه أمور الدين أما الصحابة رضي الله عنهم فقد كانوا يسارعون إلى تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته .

وفي هذا الحديث توجيه إلى أحد الطرق المؤثرة في حماية المسلم من آثار الغضب لأن الشيطان الرجيم هو أحد العوامل المؤثرة في حمل الغاضب على التصرف بما لايليق فإذا استعاذ منه المسلم الغاضب بحضور قلب وتعظيم لله تعالى فإن مفعوله يبطل ويحصل للغاضب الهدوء والسكينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت