إعداد/ متولي البراجيلي
الحلقة الثالثة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة
والسلام على أشرف المرسلين، وبعد:
تحدثنا في اللقاءين السابقين عن تعريف القياس
وحجيته وضوابطه، ثم ذكرنا أقسام القياس وأدلته من القرآن، ونواصل البحث - إن
شاء اللَّه:
ثانيًا أدلة السنة:وفي السنة آثار كثيرة تدل على أن النبي صلى
الله عليه وسلم نبه إلى القياس ودل على صلاحيته لاستنباط الأحكام ومنها:
1-حديث معاذ المشهور رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى
اليمن قال: «كيف تقضي إذا عُرض عليك قضاء؟» .
قال: أقضي بكتاب اللَّه.
قال: «فإن لم تجد في كتاب اللَّه ؟» .
قال: فبسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب اللَّه ؟» .
قال: أجتهد رِأيي ولا آلو.
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «الحمد لله
الذي وفق رسولَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله».[أبو
داود والترمذي]
وقد صحح الخطيب البغدادي الحديث قائلًا: على أن أهل العلم قد
تقبلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم. [الفقيه والمتفقه]
إلا أن من
المحدثين من ضعفه من جهة السند مع القول بصحة معناه، وقد ذهب الشيخ الألباني -
رحمه اللَّه - إلى ضعف الحديث سندًا وأن في متنه مخالفة لأصل مهم، وهو عدم جواز
التفريق في التشريع بين الكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما معًا.[السلسلة الضعيفة
ح881]
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: وهو الحجة في إثبات القياس
عند جميع الفقهاء القائلين به.
2-أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول اللَّه، ولدي غلام أسود [منكرًا لونه الأسود] ، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «هل لك من إبل ؟» قال: نعم. قال: ما ألوانها ؟ قال: حمر. قال:
«هل فيها من أورق؟» (الأسود غير الحالك) قال: نعم. قال: فأنَّى ذلك ؟ قال: لعله
نزعه عرق، قال صلى الله عليه وسلم: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» . [متفق عليه]
3-وعندما سألت الخثعمية عن الحج عن أبيها الذي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا
يستطيع أن يثبت على الراحلة، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم مستخدمًا
القياس: أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيته؛ أكان ينفعه ؟ قالت: نعم. قال صلى
الله عليه وسلم: «ودين اللَّه أحق أن يُقضى» . [البخاري]
4-وعندما قال عمر: يا رسول اللَّه، لقد صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، فأجابه رسول الله
صلى الله عليه وسلم مستخدمًا القياس: أرأيت لو تمضمضت بالماء؟ فقال: لا بأس،
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «فمه» (أي فماذا عليك) . [أحمد وأبو داود]
5-قوله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه خمس مرات،
هل يبقي من درنه شيء ؟» قالوا: لا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللَّه
بهن الخطايا. [البخاري]
فالقياس: كما أن الماء مطهر من الأدران الحسية فالصلاة
مطهرة من الأدران (السيئات) المعنوية. إلى غير ذلك من أحاديث النبي صلى الله
عليه وسلم التي استخدم فيها القياس.
ثالثًا: أدلة الصحابة:
1-كتاب عمر رضي اللَّه عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه في القضاء، وفيه: اعرف الأشباه
والأمثال وقس الأمور، ثم الفهم الفهم، فيما أُدْلِيَ إليك مما ورد عليك مما ليس
في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عندك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى
أحبها إلى اللَّه وأشبهها بالحق.
2-ولما بعث عمر رضي اللَّه عنه شريحًا على
قضاء الكوفة، قال له: انظر ما تبين لك في كتاب اللَّه فلا تسأل عنه أحدًا، وما
لم يتبين لك في كتاب اللَّه فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما
لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك.
3-وقال عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه:
من عَرَض له منكم قضاءً فليقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه
فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء أمر ليس في كتاب اللَّه
ولم يقض فيه نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر
ليس في كتاب اللَّه ولم يقض به نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه، فإن لم
يحسن فليقم ولا يستحي.
4-وكان ابن عباس رضي اللَّه عنهما إذا سُئل عن شيء، فإن
كان في كتاب اللَّه قال به، وإن لم يكن في كتاب اللَّه وكان عن رسول اللَّه صلى
الله عليه وسلم قال به، فإن لم يكن في كتاب اللَّه ولا عن رسول اللَّه صلى الله
عليه وسلم ولا عن أبي بكر وعمر، اجتهد رأيه.
قال ابن تيمية رحمه اللَّه: هذه
الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس - رضي اللَّه عنهم - وهم من اشهر
الصحابة بالفتيا والقضاء.
[مجموع الفتاوى 19/201]
5-ومن ذلك أيضًا: تقديم
الصحابة لأبي بكر رضي اللَّه عنه إمامًا للمسلمين وجعله خليفة رسول الله صلى