يتناول الدرس أخطار النفس وانحرافاتها التي قد يصاب بها الدعاة وتفتك بهم أشد من فتك الأعداء، ثم شرح العناصر التي تتكون منها الشخصية الإسلامية .
دعاة الإسلام في خطر ! لا أعني أنهم في خطر من عدوهم، ومن مكائد خصومهم، ومن مؤامرات الحاقدين عليهم وعلى الإسلام .. فهذه أخطار قد تهون ـ على ضراوتها وشدتها ـ أمام أخطار النفس وانحرافاتها .. فالداعية بخير ما برئ من عيوب نفسه وأمراضها، بالغ ما بلغت قوة الأعداء والخصوم.
ومن هنا نفهم وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين حيث يقول: [كونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله . واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله، فلا تعملوا بمساخط الله وأنتم في سبيل الله] .
أقول هذا لأنني أدرك أن درب الدعاة في هذا العصر درب محفوفة بالإغواء والإغراء .. لقد هدمت جاهلية القرن العشرين كل معنى من معاني الفضيلة والخير والكرامة .. وأسفرت عن وجه كالح شاحب ترسم فيه وتتوافر أسباب الغواية والفتنة والشذوذ .. وأزكمت مادية هذا العصر الأنوف حتى أصبح الإنسان لا يفكر إلا بها، ولا يعيش إلا بها، ولا يحكم على الأشياء إلا من خلالها.. أعمت بصره وبصيرته، وأماتت حسه وشعوره: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا... [176] 'سورة الأعراف'.
هذه التركة المثقلة بالأعباء والمهمات كان على دعاة الإسلام أن يواجهوا مسئولية حملها بالعدة الكاملة من إيمانهم وأخلاقهم وأفكارهم، وبل ما يملكون من أسباب القوة والمنعة العقيدية والخلقية .
حصنوا جبهات المقاومة:
لذلك كان أخطر ما يواجه الدعاة في هذا الزمن، تصدع جبهات المقاومة في نفوسهم، وتسليمهم أحيانًا بما يسمى: [بالأمر الواقع] والرضى بالترقيع في إسلامهم، والقبول بأنصاف الحلول من مبادئهم وأهدافهم .. وكثيرًا ما كانت سياسة التراخي والتساهل هذه تستدرج البعض إلى مخالفة المسلمات الأساسية، والخروج عن دائرة التصور والتفكير والسلوك الإسلامي.
وإذا سلمنا بضخامة الأعباء، وكبر المسئوليات التي تنتظر الدعاة في حاضرهم ومستقبلهم .. وما هم معرضون له من محن وفتن، وأصبح من أهم ما ينبغي أن يحرصوا عليه، ويبادروا إليه هو توفير عوامل [الصيانة] لنفوسهم وعقولهم؛ ليقووا على مغالبة ما يعترض سبيلهم من عقبات.
الشخصية الإسلامية:
إن الاهتمام بتكوين الشخصية الإسلامية يجب أن يسبق أي عمل آخر؛ فالشخصية الإسلامية حجر الزاوية في بناء الحركة الإسلامية .. وكما أن الحركة الإسلامية لا يمكن أن تنهض بدورها الكبير في قيادة الأمة بغير الدعاة والعاملين، كذلك فإن هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يقوموا بالدور الخطير ما لم تكتمل شخصيتهم الإسلامية اكتمالًا طبيعيًا سليمًا..
العناصر التي تتكون منها الشخصية الإسلامية:
العقلية الإسلامية: إن العقلية الإسلامية إحدى مقومات الشخصية الإسلامية.. وهي بالتالي ملكة التفكير والتصور الإسلامي الصحيح للكون والإنسان والحياة، فالأفكار والأحكام والمحسوسيات والمغيبات يجب أن تخضع كلها لتقييم إسلامي صحيح. وبهذا تكون العقلية الإسلامية قاعدة فكرية تعكس مفاهيم الإسلام وأحكامه في كل شأن من الشئون.
فالعقلية الإسلامية هي [العقلية] التي تنظر إلى الأشياء ـ كلّ الأشياء ـ من خلال الإسلام .. وتحكم على الأمور ـ كلّ الأمور ـ بمنظار الإسلام، فيكون الإسلام بالنسبة إليها مقياس كلّ قضية، وحلّ كل مشكلة، وزمام كلّ أمر .. ولعل أهم الأسباب التي تؤدي بالدعاة إلى الانحراف ـ أحيانًا ـ اضطراب فهمهم وتصورهم للإسلام، وللعمل الإسلامي.
ولتكوين العقلية الإسلامية لابد من توفر العوامل التالية:
أولًا: الفهم الصحيح للكتاب والسنة: الذي من شأنه أن يقيم في ذهن الداعية الخطوط الأساسية للحياة الإنسانية كما يريدها الإسلام .
ثانيًا: الإدراك الكامل لأهداف الفكر الإسلامي: من حيث هو ضابط مسلكي وأخلاقي، دافع للعمل، جاعل سلوك الإنسان متقيدًا ومتكيفًا بحسبه في الحياة الدنيا ونحو الآخرة. وأنه ليس مجرد نظريات ومثاليات مجردة .. وهذا ما يجعل المفهوم الإسلامي واقعيًا وإيجابيًا، وذا مفعول عميق وقوي في بناء الشخصية الإسلامية .
ثالثًا: الاستيعاب الكامل والكافي لجوانب التصور الإسلامي: دونما انحصار في جانب من الجوانب . فكثيرًا ما يؤدي التفريط الجانبي إلى ظواهر وانحرافات خطيرة. فالعقل ينمو نموًا طبيعيًا ما دام يتناول من الأبحاث والثقافات ما يكفل له غذاءً وفيرًا ومتنوعًا .. ويقف عن النمو والإنتاج، بل قد يتأخر ويكف عن التفكير إذا أهمل، أو قدم له الضحل الخفيف من القراءات والمطالعات ..