فهرس الكتاب

الصفحة 12445 من 27345

بين الإطالة والإيجاز

كثيرٌ من الناس يكتبون ما يكتبون مُوْجَزًا وشاملًا وافيًا بالغرض . والكتابةُ موجزًا قد تكون طبيعةً لدى الكاتب، وقد تكون عادةً تَعَوَّدَها بالمران والرياضة. وعلى العكس من ذلك كثير من الناس يطيلون الكتابة، ولايكون بوسعهم أن يوجزوها؛ والإطالةُ أيضًا قد تكون مركوزةً في طبيعة الكاتب، وقد تكون ناشئة عن العادة التي تكوّنت لديه خلال رحلته الكتابية التي استمرت منذ أن وضع قدميه على الطريق إلى نضج في هذه المهنة المُشَرِّفة .

وقد يشقّ على كلا الفريقين أن يشذّ عن مسارهما؛ فالمُوْجِزُ يصعب عليه الإطالةُ، والمُطِيْلُ يصعب عليه الإيجازُ. وهناك فريق من الكُتَّاب يُحْسِنُ الإيجازَ والإطالةَ كليهما؛ فالإيجاز يُحْسِنُه إذا أراده، والإطالةُ سهلةٌ عليه إذا أرادها؛ ولكن هذا الفريقَ قليل جدًّا؛ لأن كُلاًّ من الإطالة والإيجاز فنّ مستقل وله رجال متخصّصون لايتأتّى لهم إلاّ ما تخصّصوا فيه .

عددٌ من الإخوان الذين يحرصون على قراءة كتاباتي - العربية والأردية - طلبوا إليّ أن أوثر جانبَ الإيجاز في بعض كتاباتي؛ حتى يتمكّنوا من قراءتها على عجل، ولاسيّما لأنّ زحمة الأشغال تستعجل الإنسانَ المعاصر وتطلب منه سرعةَ الركض في كل شأن من شؤون الحياة . فقلت لهم: إن الإيجاز لاتتحمله قلة الفرص لديّ؛ لأنّه يحتاج إلى التخطيط والروية والتفكير مني؛ فإذا كتبتُ مقالةً طويلة في ساعة أحتاج لكتابةِ مثلها موجزًا إلى ساعتين أو نحوهما . إنّ الإطالة صارت جدَّ يسيرة عليّ؛ حيث أمضي أكتب مالم يكتمل الموضوع ومالم أشعر بأني قد قلتُ كلَّ ما كنتُ أَوَدُّ أن أقوله بشأن الموضوع الذي تعرّضتُ له في المقاله، وأنّي أشبعتُ الموضوعَ من الجوانب الكثيرة التي قد يَتَطَلَّعُ إليها قارئُ الموضوع .

من هنا لايُتَاحُ لي الكتابة في الموضوع الذي يقترحه عليّ جهةٌ أوفردٌ على عجل ويقول لي أن أوافيه بالمقال في الوقت القياسيّ المحدّد الذي يحدّده هو ويطلب إليّ أن لا أتخطّاه حتى يسعه تجهيزه للنشر والتعامل مع جميع الترتيبات اللاّزمة التي تسبق النشرَ. وقد اضْطُرِرْتُ أن أعتذر للأبد إلى بعض الجهات الصحفية عن الاستجابة لطلباتهم المُسْتَعْجَلَة، نظرًا لما فُطِرْتُ عليه من الانصراف إلى وظيفة واحدة بكل همومي وتفكيري حتى أنتهي منها؛ حيث لا أرضى توزيع الاهتمامات بين وظائف عديدة في وقت واحد، كما يرضى ذلك كثيرٌ من الناس، ولاسيما لأن الجهات الصحفية لايهمّها إشباعُ الموضوع، أو تزويد القارئ بكل ما يتعلّق به؛ حتى يصدر عن قراءته وقد تَشَبَّعَ معلوماتٍ عنه؛ وإنما يهمّهما أولًا وآخرًا العملُ بالرتابة، والعمل على جذب عدد ممكن من القراء، واستدرار ما في جيوبهم من المبالغ؛ فتؤثر السطحيّةَ على التقعير، والجزئية على الشمول، والاهتمام بالمظهر على الاهتمام بالمخبر. وموقفُها اللامعقول هذا هو الذي جعلني أكره الكتابةَ في الصحف والمجلات التي تتناول المواضيعَ الساخنة على عجل وفي غير شمول .

والكاتبُ المتعوِّد الإطالةَ والإشباعَ، لَوْ رَاحَ يُوْجِزُ ويجتزئ؛ لاحتاج إلى الشيء الكثير من التفكير، وبذل المحاولة للتغيير، والتقديم والتأخير، والاجتهاد واعتصار الفكر، وإنفاق الوقت أكثر مما ينفقه للإطالة والتوسّع في القول؛ لأنّه قد تَعَوَّد أن يقول مايقوله بشكل عفويّ، لايعوقه حاجز داخليّ ولا عائق نفسيّ، ولا يُثْقِله تَقَيُّدٌ والتزامٌ أو تَحَفُّظٌ؛ فلا يقف دون استكمال الموضوع، وتوفيته حقَّه من الإحاطة من كل جانب، والاستيعاب من كل وجه.

وقد يقتضي المقالُ - بطبيعته - الإطالةَ أو الإيجازَ؛ فإذا اقتضى الإطالةَ فلن يستوفي حقَّه إلاّ إذا أُطِيْلَ واستُقْصِي في جمع الموادِ المُكْمِلَةِ لنواحيه، والمُضْفِيَة عليه مسحةَ الشمول والاستيعاب، مما يجعله مقالًا يُكْسِبُ القارئ الشبعَ والتروّيَ في الموضوع المعنيّ، ولايشكو بعد الصدور عن قراءته أيَّ ظمأ بشأن الموضوع .

وإذا اقتضى المقالُ الإيجازَ، لايجوز للكاتب أن يطيل لأنه عندئذ - كون المقال موجزًا - يكون حاملًا لطبيعة الشطائر والسندويتش التي لم تُوضَعْ للإشباع والإغناء عن الوجبة الغدائية أوالعشائية الوافية، وإنما وُضِعَتْ لتسكين الجوع وكسب بعض ما فقده المرأ خلال الرتابة العملية المكثفة من القوة والانتعاش؛ فلا يكون السندويتش جرعةً كاملةً، وإنما يكون جرعةً سريعةً ناقصةً تُعْطِي مفعولَه لبعض الوقت. وذلك كزوايا الصحف، ومعظم المقالات التي تُنْشَرُ في الصحف والمجلات غير الدراسيّة وغير المعنيّة بالبحث والتحيق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت