فهرس الكتاب

الصفحة 26292 من 27345

وجود الله ...

إن من أعظم الحقائق وأجلاها في الفطر والعقول حقيقة وجود الله سبحانه وتعالى ، هذه الحقيقة التي اتفقت العقول على الاعتراف بها - وإن أنكرتها بعض الألسن ظلما وعلوا - ، فهي من الوضوح بمكان لا تنال منه الشبهات ، وبمنزلة لا يرتقي إليها الشك ،

ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد .

وقد تنوعت دلائل وجود الله سبحانه ابتداء من ضمير الإنسان وفطرته ، إلى كل ذرة من ذرات الكون ، فالكل شاهد ومقر بأن لهذا الكون ربا ومدبرا وإلها وخالقا .

وأولى هذه الدلائل دليل الفطرة ، ونعني به ما فطر الله عليه النفس البشرية من الإيمان به سبحانه ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل فقال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الروم:30) ،

وهذا الدليل باق في النفس الإنسانية بقاء الإنسان نفسه في هذا الكون ، وإن غطته الشبهات ،ونالت منه الشهوات ، إلا أنه سرعان ما يظهر في حالات الصفاء وانكشاف الأقنعة .

وفي الواقع أمثلة كثيرة تدلنا على ظهور الفطرة كعامل مؤثر في تغيير حياة الإنسان من الإلحاد إلى الإيمان ، ومن الضلال إلى الهدى ، فذاك ملحد عاين الموت تحت أمواج البحر ، فبرزت حقيقة الإيمان لتنطق على لسانه أن لا إله إلا الله ، فلما نجاه الله أسلم وحسن إسلامه .

وحادثة أخرى تتحدث عن طائرة تتهاوى بركابها ، فتتعالى أصوات الإيمان منهم وقد كانوا من قبل أهل إلحاد وكفر ، وقد سجل الله هذه الظاهرة في كتابه الكريم في أكثر من آية،منها قوله تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسانُ كَفُوراً } (الاسراء:67) .

فهذا هو دليل الفطرة وهو من القوة والمكانة بحيث لا يستطيع أن يدفعه دافع أو ينازع فيه من منازع .

وثمة دليل آخر لا يقل قوة وأهمية عن دليل الفطرة وهو ما أسماه أهل العلم بدليل الحدوث ، ومفاد هذا الدليل أنه لابد لكل مخلوق من خالق ، وهذه حقيقة يسلم بها كل ذي عقل سليم ، فهذا الأعرابي عندما سئل عن وجود الله قال بفطرته السليمة: البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على العزيز الخبير . فلله ما أحسنه من استدلال وما أعجبه من منطق وبيان .

ومن الأمثلة الأخرى التي تدل على هذه الحقيقة ما روي من أن أحد العلماء طلب منه بعض الملاحدة أن يناظره في وجود الله سبحانه ، وحددوا لذلك موعدا ، فتأخر العالم عنهم وكان تأخره عن قصد ، فلما جاءهم وسألوه عن سبب تأخره قال: لقد حال بيني وبين مجيء إليكم نهر ، ولم أجد ما ينقلني إليكم ، غير أن الأمر لم يطل حتى أتت سفينة ، وهي تمشي من غير أن يقودها قائد ، أو يتحكم فيها متحكم ، فصاح به الملاحدة ماذا تقول يا رجل ؟!! فقال لهم: أنتم أنكرتم أن يكون لهذا الكون خالقا ، ولم تصدقوا أن تكون سفينة من غير قائد ، فاعترفوا وأقروا .

وقد نبه القرآن إلى هذا الدليل في مواضع كثيرة ، قال تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ والأرض بَلْ لا يُوقِنُونَ } (الطور:35-36) هما احتمالان لا ثالث لهما إلا الاعتراف بوجوده سبحانه والإيمان به .

الاحتمال الأول: أن يكون هذا الخلق من غير خالق ، وهذا مستحيل تنكره العقول إذ لا بد للمخلوق من خالق وللمصنوع من صانع ، فالعدم لا يخلق .

والاحتمال الثاني: أن يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم وخلقوا السماوات والأرض ، وهذا مستحيل أيضا إذ لم يدَّع أحد أنه خلق نفسه فضلا عن السماوات والأرض ، ولو ادعى مدع ذلك لاتهم بالجنون والهذيان ، إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه ، فلم يبق إلا أن يكون لهذا الكون خالقاً وموجدا ، وهذا دليل غاية في القوة والبيان لذلك عندما سمعه جبير بن مطعم قال:"كاد قلبي أن يطير"كما ثبت ذلك عند البخاري .

فهذه بعض الأدلة على وجوده سبحانه ، وهي أدلة من تأملها وأمعن النظر فيها لم يكن في وسعه إلا التسليم لها ، نسأل الله سبحانه أن يزيدنا علما وإيمانا ، والله الموفق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت