أ. د. عماد الدين خليل 1/5/1427
كثيرًا ما يتساءل المرء: لمإذا يصر الفكر الوضعي (1) عمومًا والغربي بخاصة، على التشبث بجانب واحد من الفكرة ذات الجوانب العديدة، ويقف عند مساحة محدودة منها بينما هنالك مساحات شتى؟! ولمإذا يصر على تبسيط الظاهرة وحملها على ان تطل على الإنسان بوجه مسطح واحد بينما هنالك وجوه عدة؟! ولمإذا يتشنج على طبقة واحدة من الحقيقة بينما هي تتضمن طبقات وطبقات؟
إن السبب قد يحمل بعدًا نفسيًا ذاتيًا صرفًا، فالمفكر الوضعي الذي يكتشف جانبًا من الحقيقة، أو مساحة من الظاهرة، أو وجهًا ما من الفكرة، يسعى للاعتقاد بأن ما اكتشفه هو الجانب الوحيد للحقيقة، والمساحة الكلية للظاهرة، والوجه المتفرد للفكرة .. ويبذل جهدًا متواصلًا لإقناع أتباعه بذلك، ولشدة التكرار والالحاح يتوهم هؤلاء أن مايقوله هو الحق، وإن اكتشافه الفكري هو الصواب، وإنه يتضمن أطراف الحقيقة أو الفكرة أو الظاهرة كافة ..
إنه نوع من الرغبة في تعبيد الناس للمفكر، وكسب إعجابهم وانبهارهم من خلال أطروحاته الفكرية المعززة باستنتاجات ومعطيات متواصلة لتأكيد أنها الحق المطلق، وأن ما وراءها الباطل والضلال. وهو يبني موقفه هذا، أو كسبه غير المشروع إذا صح
التعبير، على ماقد يتضمنه العقل البشري من قصور وعدم قدرة على الإلمام بجوانب
الحقيقة، وافتقاده النظرة الكلية التي تستشرف أطراف الظاهرة من كل مكان .. هذا العقل الذي يظل يعاني من نقصه هذا طالما هو لم يستهد بدين سماوي .. ببرنامج عمل موضوعي يجيء من السماء ويمنح الإنسان والعقل الإنساني، بما يتضمنه من علم إلهي شامل، القدرة على تجأوز النظرة أحادية الجانب، والتوغل لإدراك جوانب الحقيقة ومساحاتها وطبقاتها جميعًا.
إن المفكر الوضعي ليمارس هنا نشاطاُ ضد المنهج، ضد الموضوعية والتجرد العلمي .. وهذه الضدية تجيء على حساب الحقيقة.
نعم قد يكسب المفكر الجولة، وقد يلتف حوله المريدون والأتباع، وقد يوحي لفترة طويلة من الزمن أنه وضع يده على مفاتيح الحقيقة، وأنه سبر غورها العميق، ولكن الخاسر في هذه اللعبة التي تكررت على الساحة الأوروبية عشرات القرون، هو الحقيقة، والإنسان الذي يتوخى معرفتها وإدراكها في نهاية الأمر.
ويقوم هذا النشاط الذي يمارسه المفكر ضد المنهج والموضوعية على محأولة توسيع مساحة (الاكتشاف) لجعله يلف الظاهرة كلها ... مطّه بأي أسلوب لكي يحيط بالفكرة من جوانبها كافة .. إرغامه على التضخم لكي يوازي الحقيقة طولًا وعرضًا وعمقًا ..
والمشكلة أن هذا الاكتشاف الذي يحمل قيمته الكبيرة بحد ذاته، قد يغطي مساحة من الظاهرة .. قد يفسر جانبًا من الفكرة .. قد ينشر شعاعه على جهة محدودة من الحقيقة لكي يضيئها .. ولكن تبقى دائمًا مساحات وجوانب أخرى من الظواهر والأفكار والحقائق لايكفي الاكتشاف- إن على مستوى النوع أو على مستوى الكم- لتفسيرها وإضاءتها، لابد من اكتشافات أخرى وإضاءات متتالية، تأخذ طابع التتابع والتكامل، وتُسلّط على الحقائق والظواهر والأفكار جميعًا، ويسهم فيها خط طويل من المفكرين، وعقول متألقة لايحصيها عد .. وعند ذلك قد تصل إلى تفسير هذه الظاهرة أو تلك، وقد لاتصل أساسًا ..
لكن العلوم الإنسانية شهدت صيغة أخرى في العمل .. صيغة الانفراد، والذاتية،
والادّعاء، والتضخّم .. ولذا لم تستطع أن تقدم للإنسان عشر معشار ما قدمته العلوم النظرية والتطبيقية .. ولهذا - أيضًا - آلت إلى الفشل والسقوط الواحدة تلو الأخرى ..
فعلى سبيل المثال، لمإذا يصر عقل فذ (كهيغل) على جعل الجدل، أو
الديالكتيك، أو التقابل المتضاد بين الحقائق والتجار، يقتصر على نطاق (الفكرة) ؟ ولمإذا يجيء (ماركس) و (انغلز) بعده لكي يديناه على أحادية نظرته، بل على وضعها
المقلوب، لكنهما لا يلبثان أن يقعا في الخطأ نفسه، فيتشنجان على نظرية الديالكتيك المادي أي الجدل في نطاق المادة وحدها؟
إنهما يتهمان (هيغل) بأنه وضع فلسفة (تمشي على رأسها) لكنهما وهما يسعيان لتعديل الوضع الفلسفي، قدما فلسفة تمشي على بطنها بحثًا عن الخبز وحده.
أما كان من الأولى أن يتجاوز ( هيغل ) تشبثه بالفكرة، وأان يبعد (ماركس)
و (انغلز) قليلًا عن الأرضية المادية، وأن يحاول الطرفان وضع صيغة للجدل أكثر شمولية تتضمن الفكري والمادي معًا؟
ثم لمإذا يصر الطرفان على أن الجدل بين الأفكار أو الصيغ المادية يأخذ طابع التناقض والتضاد، ويقود دوما إلى الاصطراع؟ ألا يتحتم أن تضاف إليه صيغ أخرى للعلاقة تأخذ طابع (التبادل) بدلًا من التضاد؟
تبادل في الاخذ والعطاء دونما ضرورة لصراع محتوم، ودونما اطّراح لبعض العناصر من هذا الجانب أو ذاك، بل بلورته وتثبيته وإضافته للموحد الجديد ..
وغير (هيغل) و (ماركس) و (انغلز) كثيرون جدًا ..