فهرس الكتاب

الصفحة 6620 من 27345

الحرية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ً? [ النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:

إن من أعظم ما ينشده الإنسان في هذه الحياة هي الحرية والكرامة، ولذلك جعل الإسلام الحرية من أخص الخصائص الإنسانية، فالإسلام هو المنهاج الوحيد الذي جعل الناس أحرارًا يتساوون في العبودية لله عز وجل، فهو الذي أعلن هذا المبدأ للعالمين في قوله: ? قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ? [آل عمران:64] .

وقال تعالى: ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ? [الحجرات:13] . فهم يتساوون في الخلقة والأصل"الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان والتقوى وكلكم لآدم وآدم من تراب" (1)

ومن أعظم الحقوق في الإسلام المساواة في الحرية وقد قال يومًا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين استعلى أحد أبناء المسئولين على أحد الرعية: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا. وأعظم ثمرة للحرية هي الشورى التي اعتبرها الإسلام فريضة قرآنية وركيزة حضارية يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام ، وقد جاء ذكرها في سورة الشورى بين فريضتي الصلاة والزكاة، قال تعال: ? وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ? [الشورى:38] .

ولقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بهذا المبدأ في سورة آل عمران بقوله تعالى: ? فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ? [آل عمران:159] . هكذا تبدو عظمة هذا المبدأ من خلال أمر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة أحد التي جرت فيها الممارسة العملية للشورى حين استشار الرسول الصحابة الكرام في المسجد، وكيفية مواجهة قريش الذين جاؤوا لغزو المدينة، فكان رأي أغلبية الصحابة هو الخروج لملاقاتهم خارج المدينة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى خلاف هذا الرأي ، ولكنه نزل على رأي الأغلبية ، ومع مرارة النتائج التي ترتبت على ذلك، فإن الله يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بها حتى لا يتزلزل المؤمنون بهذا المبدأ العظيم.

وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه ويأخذ برأيهم ومشورتهم وهو سيد البشر الذي يوحى إليه ، فمن باب أولى أن يكون غيره مهما كانت منزلته أكثر التزامًا وتطبيقًا للشورى .. ولقد سار الخلفاء الراشدون على هدي نبيهم - صلى الله عليه وسلم - في الأخذ بمبدأ الشورى في كل شؤونهم.

أيها المؤمنون: إن الشورى حين تطبق فعليًا في حياة الأمة فإنها تثمر ثمارًا عظيمة من أهمها:

أنه لا يصعد إلى موقع القرار إلا الكفء الذي تختاره الأمة بمحض إرادتها ، ومن ثمارها أنها عصمة لولي الأمر من أن يقدم على أمر يضر بالأمة ، ومن ثمار الشورى أنها تبعد الأمة من أن يتسلط عليها الظالمون الفجرة، لأن غياب الشورى من الحياة يؤدي إلى الانحراف السياسي والطغيان الاجتماعي ومصادرة حقوق الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت