فهرس الكتاب

الصفحة 23819 من 27345

مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي الشيخ. مدثر أحمد إسماعيل*

الحمد لله الذي جعل لنا دينًا قويمًا، وهدانا صراطًا مستقيمًا، وأرسل إلينا رسولًا رؤوفًا رحيمًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في سبيل الله جهادًا عظيمًا.

أما بعد..

فإن قضية التأليف بين فصائل الأمة، والسعي في إصلاح ذات بينها وجمع شملها على الحق والهدى، ورأب صدعها والتقريب بين فئاتها المتنازعة من أعظم أصول الإسلام، ومن أفضل أبواب الخير، وضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله، والأمة لم تؤت من ثغرةٍ مثل ما أتيت من جانب فرقتها وتنازعها والصراع بينها، فاستحقت وعيد الله: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) .

معنى الاتفاق في اللغة

الاتفاق من مادة وفق، والوفاق: الموافقة، والتوافق:الاتفاق والتظاهر.

قال ابن سيده: وفق الشيء ما لاءمه.

ومنه الموافقة، تقول وافقت فلانًا في موضع كذا أي صادفته، ووافقت فلانًا على أمر كذا أي اتفقنا عليه معًا (1) .

مفهوم الاتفاق في الشريعة الإسلامية

الاتفاق والتعاون على البر والتقوى مبدأ شرعي، وواجب عام بين المسلمين بنص القرآن الكريم، قال الله (تعالى) : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى) [سورة المائدة: 2] ، والبر إذا اقترن بالتقوى يقصد به ما تعدى نفعه إلى المسلمين من الأعمال المشروعة. والتقوى تختص بما يقتصر نفعه من الأعمال الصالحة على خاصة الإنسان. وبهذا تحوي دلالات الآية مجالًا خصبًا يتسع لكل عمل صالح يتحقق نفعه وخيره بالاتفاق والتعاون على مستوى الفرد والأمة.

فالاتفاق والتعاون أمران مطلوبان، أوجبهما الشرع ولا يستغني عنهما في الواقع، والاختلاف غير المذموم أمر واقع أقره الشرع ضرورة وفطرة، وبعض الناس يغيب عنه منهج الإسلام الوسط في أمور شتى من بينها الاتفاق والتعاون حال الاختلاف؛ وحجم وطبيعة ذلك الخلاف الذي يوجب الإسلام الاتفاق والتعاون رغم وجوده، وذلك المطلب الشرعي المهم هو المحور الذي تدور حوله هذه الدراسة التي نرى أنها تكون مجالًا للنقاش الموضوعي بين ذوي الاختصاص، والله نسأل للجميع التوفيق والسداد.

إنّ موضوع الاتفاق بين المسلمين موضوع قديم حديث، ينبغي على الأمة ألا تمل طرحه؛ لما له من أهمية في بناء كيانها؛ فالموضوع يستقي أهميته من عدة جوانب:

الجانب الأول: تركيز القرآن الكريم والسنة النبوية على هذه القضية، واعتبارها هدفًا وغاية من غايات هذا الدين وأصلًا من أصوله.

والجانب الثاني: هو المنظور التاريخي، الذي يتمثل في بيان دور هذه الوحدة في بناء حضارة الإسلام المجيدة؛ فالحديث عن الاتفاق حديث عن عوامل بناء دولة الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تمثلت في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

أما الجانب الثالث: فهو منظور الواقع، الذي يتمثل في حاجة المسلمين في هذا الزمان إلى هذا الاتفاق حتى يستعيدوا ريادتهم في قيادة الأمم، فالحديث عن الاتفاق بأشكاله وصوره المتنوعة هو حديث عن مستقبل الإسلام، وحديث عن الحضارة الإسلامية المقبلة؛ إذ لن يتسنى للمسلمين في زماننا هذا استعادة هويتهم وشهادتهم على الناس إلا باتفاقهم.

ما هو الاتفاق الذي يريده الشرع ويدعو إليه؟

إننا إذ ندعو إلى الاتفاق في واقع المجتمعات الإسلامية نسعى إلى تحقيقه ضمن مفهومه الشرعي الواسع والشامل بكل أشكاله وألوانه،فنريد:

الفكرية أو التصورية: وتعني اتفاق الأمة على الأسس المنهجية في أصول الإيمان وأصول الأحكام. أما الإيمان فيتضمن الإيمان بالله وما يجب له من حق العبودية والطاعة، والإيمان بألوهيته وربوبيته وأسماءه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره وبسائر أمور الغيب، أمّا أصول الأحكام فتتضمّن المحكم من العبادات والمعاملات والسياسة الشرعية.

ونريد الوحدة الثقافية: والتي تعني اتفاق الأمة على الآليات التي يتم من خلالها إنجاز الأمور النظرية علميًا في أرض الواقع.

ونريد الوحدة السياسية: والتي تعني وجود كيان سياسي واحد تتوجه إليه أنظار المسلمين كافة، والذي يشكل المرجعية لتمكين منهج الله في واقع الناس.

ونريد الوحدة الوجدانية: والتي تمثل المشاركات العاطفية التي يحس بها المسلمون تجاه بعضهم، فيفرح المسلم لفرح إخوانه المسلمين، ويحزن لأحزانهم، ويتألم لآلامهم. بهذه الوحدة وبمفهومها الواسع، قام الكيان الحضاري للأمة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

السبيل إلى الاتفاق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت