المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده وروسوله .
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -وشر الأأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
وبعد ...
فإن العقيقة من السنن الثابتة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنها تكاد تكون من السنن المنسية التي لا يعمل بها إلا قليل من الناس ولذا قمت بإعداد هذا البحث ونشره من أجل إحياء سنة من سنن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ولتعريف الناس بهذه السنة وبأحكامها وما يتعلق بها حتى تجد طريقها إلى التطبيق العملي وحتى تحل السنن محل العادات الجاهلية التي اعتاد عليها كثير من الناس حتى غدت أحكام الشرع غريبة لدى المسلمين وللأسف الشديد وصارت العادات الجاهلية والبدع المحدثة هي السائدة والغالبة .
وقد عرّفت العقيقة في اللغة والاصطلاح وجمعت كل ما وقفت عليه من الأحاديث الواردة في العقيقة من كتب السنة المشرفة وحاولت اسقصائها بقد الوسع والطاقة ، وذكرت كلام العلماء والفقهاء في مسائل العقيقة المختلفة وبيّنت بالتفصيل حكم العقيقة وشروطها وأوجه الانتفاع بها وما يتعلق بذلك وقد بذلت جهدي ووسعي في هذا البحث فإن أصبت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان .
وأسال الله العلي العظيم أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به عامة المسلمين إنه سميع قريب مجيب .
د. حسام الدين عفانه
أبوديس/القدس
في الثالث عشر من رجب 1415 هـ
الموافق ، السادس عشر من كانون أول 1994 م
الفصل الأول
ما يتعلق بالعقيقة
المبحث الأول
تعريف العقيقة لغة واصطلاحًا
أولًا: تعريف العقيقة لغة:
هي الشَعر الذي يولد به الطفل لأنه يشق الجلد .
قال امرؤ القيس:
يا هند لا تنكحي بوهةً ... عليه عقيقته أحسَبَا
وهي مأخوذة من عق ، يَعِقُ ويعَقُ فنقول عق عن ابنه بمعنى حلق عقيقته أي شعر رأسه أو ذبح الشاة المسماة عقيقة ، قال ابن منظور: [ وقيل للذبيحة عقيقة لأنها تذبح فيشق حلقومها ومريئها وودجاها قطعًا كما سميت ذبيحة بالذبح وهو الشق ] (1) وقال الجوهري: [ وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد عليه عقيقة ... ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه عقيقة ] . (2)
ثانيًا: تعريف العقيقة اصطلاحًا:
هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه شكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمة الولد ذكرًا كان أو أنثى . (3)
وقد عرفها د.محمد أبو فارس بقوله: [ هي الشاة التي تذبح عن المولود ...] . (4)
وهذا التعريف غير جامع لأن فيه قصرًا للعقيقة على الشياه فقط وهذا على قول من لا يجيز العقيقة من الإبل والبقر وهو قول مرجوح كما سيأتي بيانه .
فالأولى أن نعبر بقولنا هي الذبيحة فإن ذلك يعم الغنم والبقر والإبل حيث تصح العقيقة من هذه الأنواع كما سيأتي .
المبحث الثاني
مشروعية العقيقة
ثبتت مشروعية العقيقة بالسنة النبوية من قول النبي- صلى الله عليه وسلم - ومن فعله كذلك .
فمن السنة القولية وردت أحاديث كثيرة منها:
1.روى الإمام البخاري بسنده عن محمد بن سيرين: حدثنا سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمه وأميطوا عنه الأذى ) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والدارمي والبيهقي . (5)
(1) لسان العرب 9/325 .
(2) الصحاح 4/1527 .
(3) المغني 9/458 ، المجموع 8/426 ، نيل الأوطار 5/149 ، الخرشي 3/46 ، سبل السلام 4/179 .
(4) أحكام الذبائح ص 168 .
(5) فتح الباري 12/9 ، عون المعبود 8/30 ، سنن الترمذي 4/98 ، سنن النسائي 7/166 ، سنن البيهقي 9/299 ، مسند أحمد 7/17 ، سنن ابن ماجة 3165 .