فهرس الكتاب

الصفحة 12591 من 27345

د. حسن علي الساعوري*

أصبحت قضية تأصيل العلوم الاجتماعية من القضايا الأساسية في العالمين العربي والإسلامي فبعد ما يقارب نصف القرن من الزمان أدرك الناس أن ركب الحضارة لا يمكن أن يدرك بتقليد الغرب في التصور، في هذه الورقة تشير إلى كيفية الخروج من أزمة التقليد هذه.

إن الخروج من أزمة التقليد لا يكون إلا بالعودة إلى الجذور ... أعني بذلك ربط العلوم الاجتماعية بالبيئة، أي الثقافة القومية. وقد جاء تناولنا لهذه القضية عبر أربع مراحل. الأولى تعريف العودة إلى الجذور وربط ذلك بأصالة المجتمع، والثانية تحديد المؤشرات العامة لثقافة المجتمع في ما أسميناه وضوح الرؤية، والثالثة بيان المنهجية الواجب اتباعها في التأصيل، وأخيرًا محاولة تطبيق وضوح الرؤية ووضوح المنهجية في مجال العلوم الاجتماعية سواء أكان ذلك في مناهج التدريس في الجامعات أم في مراكز الأبحاث العلمية.

الأصالة:

الأصالة في اللغة تعني فيما تعني الثبات وجودة الرأي، وهي كذلك القاعدة والأساس المتين الذي يقوم عليه الشيء (1) فالأصالة كل ما خالف الفروع وهو الذي تعتمد عليه هذه الفروع في النشأة والوجود والاستمرارية، فإذا غاب الأصل أو انعدم بالضرورة ينعدم كل ما تفرع منه أو ما أسس عليه، كيف لا وقد قيل إن الأصل تتبعه الفروع. أما في علم الاجتماع السياسي فالأصالة تتعلق بما يرتبط بحياة الناس وبثقافتهم وبأعرافهم وبتقاليدهم ... أو بأنماط حياتهم العامة في التصور وفي السلوك وكل ما يرتبط بذلك فهو أصيل وعريق. وكلما كانت المفاهيم وأنماط السلوك والمؤسسات والأشياء انعكاسًا لثقافة المجتمع اتصفت بالأصالة.

الأصالة هنا تشكِّل بناءً فكريًا متميزًا في مقابلة التيارات الفكرية للثقافات الأخرى، هذا البناء أو النموذج الفكري يشكِّل دائمًا النسق المعياري الذي يصوغ جوانب السلوك الاجتماعي، والتباين الذي يمثله هذا النموذج المتميز هو الذي يعطي باعتباره تراكمًا ثقافيًا على أساس خاص محدد المعالم. وذلك ما يعرف عند كثير من الكُتَّاب بتراث الأمة، أيًا كانت هذه الأمة. والمراد به عادة ( ذلك الميراث المعنوي الذي تركه السلف للخلف، والذي يتعلق بجماعة معينة تشعر بأنه يعنيها ويخصها، حيث يصير بالنسبة لها مدخلًا للفهم بحيث تخضع كل القوالب والأشكال الوافدة إلى واقع جديد يكيفها لأوضاعه وأساليبه في الحياة من منطلق اصطباغها بصبغة وثقافة ذلك المجتمع الذي نقلت إليه مما يجعله ـ يغدو أصيلًا في تعامله مع الأمم الأخرى، حيث أنه لم ينغلق على نفسه ولكن أخذ من غيره لنفسه ومن ثم يكون قد شارك مشاركة واضحة في تطوير ما نقل من أدوات أو أشكال فتكون بذلك كأنها من صنعه لا من صنع غيره فتتصف بصفته وتتسم بسمته لا صفة وسمة القوم الذين نشأت أصلًا في بلادهم.

أما إذا قُدِّر أن تعامل الناس مع الأشكال والأساليب الوافدة من غير تصرف ومن غير اعتبار لاختلاف البيئة الجديدة التي نقلت إليها، فالنتيجة من غير شك، تكون الفشل والفشل المركّب. إن استعارة الأشكال والمؤسسات من غير تصرف يعني أنها نقلت إلي بيئة غريبة عنها، ويعني ذلك أيضًا أن الناس الذين بدأوا يستغلونها هم في الواقع لا يحسنون التعامل معها إذ يستحيل عليهم استيعاب الأساليب والأعراف المتعلقة بها (6) . فقد نشأت في مجتمع ذي ثقافة مغايرة، ثم تطورت بمرور الزمن ومن جيل إلى جيل حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ذلك المجتمع فهي منه وإليه، ذلك لأن صانعها هو الذي يعرف من غير عناء كيف يتعامل معها وكيف يسخرها لخدمته دون مجازفة أو مخاطرة.. والواقع أن الأشكال والمؤسسات عندما تنقل نقلًا إلى مجتمع آخر فأنه يتعذر معرفة كل أطوارها وكل التجارب التي مرت بها، وبالتالي فلا مناص من أن يعول فيها على أخذ آخر تطور بلغته. ومن ثم يكون من الصعب فهم أساليب الاستغلال والتسخير في البيئة الغريبة. إذن فإن الناس الذين يتعاملون معها لا يكادون يستوعبون أساليبها وأعرافها فتسقط بالتالي في أداء المهمة ويسقطون هو كذلك في بلوغ الغايات التي من أجلها كانت الاستعارة (7) . وتصبح النتيجة أنه لا هم استغلوها الاستغلال الأمثل كما هو الحال في بيئتها التي نشأت وتطورت فيها، ولا هم كذلك استوعبوها وكيفوها بما يتناسب وبيئتهم وثقافتهم ثم أخضعوها للمراجعة والتطوير اللذين يكون معهما العطاء الذي تبدو فيه الأصالة.

وعندها يكون الخسران المبين لأن المجتمع المقلد تقليد القرود، إنما يكون قد قفل باب الإبداع والخلق أمام نفسه لينشيء ويطور قوالب وأشكال ومؤسسات بأعراف وأساليب أصيلة تمكنه من بلوغ الغايات فيصبح تقليده، بذلك مسخًا لا يشبه أصله ولا يشبه المجتمعات التي ينقل إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت