أرواح الشهداء
د.خالد الأحمد *
كتب الله لي أن أعيش خمس سنوات من زهرة عمري في الجزائر الحبيبة ، في السبعينات من القرن الماضي ، كانت غنية بالمعرفة ، والخبرة ، والدعوة ، ولله الفضل والمنة ...
وكنت ألاحظ أمرًا غريبًا ، وهو توجه الجزائريين نحو الإسلام ، وشوقهم ورغبتهم الجامحة نحو التمسك بالاسلام والشريعة الاسلامية ، وقد عبر الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عن هذه الملاحظة ـ وكان يحضر سنويًا في الملتقى الفكري الاسلامي الجزائري ـ قال الشيخ البوطي معبرًا عن الرغبة الجامحة عند الجزائريين للاندفاع نحو الاسلام: [ أرى في الجزائر دعوة قوية ولا أرى دعاة ] ، وليسمح لي الشيخ أن أعدل هذه العبارة لتكون أكثر دقة فأقول: أرى في الجزائر دعوة قوية ، أكبر بكثير مما يبذل من دعوة في الجزائر ، التي مازال دعاتها شبابًا ،قليلي الزاد ( يومذاك ) ، ولا نجد تناسبًا بين قوة الدعوة ، ومايبذل من أسباب فيها ... [ كان الشيخ محفوظ يرحمه الله في السجن طوال السنوات الخمس التي عشتها هناك ، وكان إخوانه في البليدة ، لهم نشاط يمتد حتى الجامعة المركزية في العاصمة ، وكان الأخ عبدالله جاب الله طالبًا في كلية الحقوق ، جامعة قسنطينة ، ولكنه كان قمة في النشاط والحركة ، وخاصة في الشرق الجزائري ] ....
وهذه القصة الواقعية التالية تبين لك أخي القارئ ، شدة اندفاع الجزائريين نحو الإسلام ....
لباس المرأة في الإسلام:
كنت مدرسًا للفلسفة ، وعندهم تدرس الفلسفة لطلاب الثالث الثانوي فقط ، وفي ثانويتنا أكثر من ألف طالب وطالبة ، ومعظم الطالبات يلبسن الزي الأوربي تمامًا ، وقانون المدرسة الجزائرية يسمح للطالب وللطالبة أن يلبس كل منهما مايشاء ...
كنت أقطع فناء الثانوية ، ومررت بقرب ثلاث طالبات من الأول ثانوي ، متبرجات جدًا ، وبعد أن تجاوزتهن سمعت نداء يقول: أستاذ ... أستاذ ... أستاذ الفلسفة ...أستاذ خالد ... وترددت في الوقوف ، ودعاة الماركسية المعادين لي ولدعوتي ينتظرون موقفًا من هذا النوع ليصوروه وينشرونه في الولاية كلها ... ولكن إلحاح النداء ، وركضهن حتى لحقنني اضطرني إلى الوقوف ، وأنا أتصبب عرقًا من الخجل ، مطرقًا إلى الأرض:
قالت إحداهن:: يا أستاذ كيف تلبس المرأة في الإسلام ؟
اعتبرت للوهلة الأولى أن هذا من باب السخرية ، ولكن الله عزوجل ألهمني أن أجاوب باقتضاب وأقول الكلمات التالية فقط:
أي ثوب واسع ، فضفاض ، يستر جسدها كله ، لونه غير زاه ...
وتابعت المشي ، وتنفست الصعداء ، فقد هربت من هذا الموقف الذي أخافني كثيرًا ، وسألت الله عزوجل أن يجعل العواقب سليمة ....
وبعد بضعة أيام ( ثلاثة أو أربعة ) كدت أسجد لله شكرًا في فناء المدرسة عندما رأيت ولأول مرة هذه الفتيات الثلاث يلبسن الحجاب الذي وصفته لهن .... واعترض الماركسيون و الشهوانيون عليّ بأنني حرمتهم من مناظر كانوا يتلصصون عليها كل يوم ...
سوف لا أنسى هذه التجربة التي عشتها قبل ثلاثين سنة ، ومازالت حاضرة في شعوري ، لأنها تفسر شدة إقبال الشعب الجزائري على التمسك بالاسلام الذي يحبونه حبًا جمًا ، مع أنهم يجهلون مساحات واسعة منه يومذاك ، هذه الحادثة تفسرالإقبال الشديد على الإسلام في الجزائر ، وهذا الإقبال أكبر من جهود الدعاة بمئات المرات ....
وكان التفسير الوحيد عندي هو بركة أرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الله عزوجل ليحفظ لهم الجزائر المسلمة ، وللعلم فالثورة الجزائرية بدأت ثورة إسلامية ، جهاد مقدس ضد الحقد الصليبي والاستعمار الفرنسي ، والحلف الأطلسي الذي حاول خلال قرن ونصف نزع الجزائر من الإسلام ... وحيث كنت أعمل في الواحات ، لايوجد مسيحي واحد ، وتوجد خمس كنائس بنيت خلال عهد الاستعمار الفرنسي ... واستمرت الثورة الجزائرية إسلامية ، ومعظم قادتها كانوا من حفظة القرآن الكريم ، والأب الروحي لها كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يرحمه الله ... وكان الثوار يرددون ماقاله ابن باديس:
شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب
واستمرت الثورة الجزائرية إسلامية حتى عام (1954 ) حيث خطفها الماركسيون الدهاة من أيدي المشايخ بعد مؤتمر وادي الصومام ... وبعد أن استشهد قرابة مليون ونصف جزائري ، معظمهم نحسبهم شهداء ولانزكيهم على الله ، وهؤلاء الشهداء لهم مكانة عظيمة عند ربهم ، ولهم حظوة ، ومن أجلهم ، رعى الله الجزائر وحفظها ، وربطها بالاسلام الذي مات من أجله مليون ونصف جزائري ...
والجزائر ـ اليوم ـ على الرغم من كل مصائبها ، والويلات التي جرها عليها المتطرفون ودعاة التكفير ، أفضل من كثير من الدول العربية والمسلمة ، مع أنها رضخت قرنًا ونصف القرن تحت استعمار صليبي سافر يقوده الحلف الأطلسي ...
وفي سوريا شهداء أيضًا: