بسم الله والحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. والصلاة والسلام على رسوله وصفوة خلقه ورحمته للعالمين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
في القرآنِ سورةٌ قصيرةُ الآياتِ عظيمةُ المعنى جليلةُ المبنى، اشتملت على إصلاحِ النّفس وإصلاحِ المجتمع، وأرست أسُسَ الأمن والاستقرار والسعادةِ في الأرض. ويالها من سورة تسكُب في النفس السكينةَ، وتفيض على القلبِ طُمأنينة، فيها عقيدةٌ وعبادة، وجزاء ومَثوبة، ووَعد ووعيد،
** هي خيرُ ما أنزِل
فعن أبيّ بن كعب، رضي الله عنه، أن الرّسول، صلى الله عليه وسلم قال له: (لأعلِّمنَّك سورةً ما أنزِلَ في التوراة ولا في الإنجيلِ ولا في الفرقان سورة كانت خيرًا منها) ، قال: (فاتحةُ الكتاب هي السبعُ المثاني والقرآن الذي أوتيتُه) [1] . هي قلب الصلاةُ لأنّه لا صلاةَ إلا بها، وهي السبعُ المثاني لأنها تثَنَّى وتكرَّر في الصلاة.
** هي الواقية وهي رُقيةٌ
لأنها تقِي قارئها السوءَ، وهي الشِّفاء يُستشفَى بها العليل؛ فعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ أَتَوا على حيٍّ من أحياء العرَب فلم يَقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدِغ سيِّد أولئك فقالوا: هل معَكم من دواءٍ أو راقٍ؟ قالوا: إنّكم لم تقرونا، ولا نفعَلُ حتى تجعَلوا لنا جعلًا، فجَعَلوا لهم قطيعًا من الشّاء، فجعل يقرَأ بأمِّ القرآن ويجمع بزاقَه ويتفِل فبرَأ، فأتوا بالشاءِ فقالوا: لا نأخُذه حتى نسألَ النبيَّ ، فسألوه فضحِك وقال: (( وما أدراكَ أنها رقية؟! خذوها واضرِبوا لي معكم بسهمٍ ) )رواه البخاري ومسلم.
** هي أحَدُ النّورَين
فعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: بينَما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماءِ فتِح اليومَ، لم يفتَح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلكٌ نزل إلى الأرضِ لم ينزِل قطّ إلاّ اليوم، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَين أوتيتَهما لم يؤتاهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب وخواتيمُ سورة البقرة، لن تَقرَأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطيتَه. رواه مسلم.
ورد في صحيح مسلِمٍ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمِعت رسولَ الله يقول: (قال الله تعالى: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نِصفين ولِعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تعالى: حمِدَني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجَّدَني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال: هذا بيني وبين عَبدي ولِعبدي ما سأَل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قال: هذا لِعبدي ولِعبدي ما سأل) . ولعلَّ هذا الحديثَ الصحيح يبيِّن مِن سِياق هذه السّورةِ ويكشِف سِرًّا من أسرارِ اختِيارها ليردِّدَها المؤمِن سبعَ عشرةَ مرّة في كلِّ يوم وليلة أو ما شاء الله أن يردِّدَها كلَّما قام يدعوه في الصلاة.
حّرِيّ بهذه السورَة التي تُعَدّ ركنًا من أركان الصلاة أن يقرَأَها المصلِّي بتُؤَدةٍ وتأنٍّ وتدبُّر وخشوعٍ وحضور قَلبٍ، مستحضِرًا معانيها، محقِّقًا مخارِجَ حروفها في الصّلاة السّرّيَّة والجهريّة، عن وائلِ بنِ حجر قال: سمعتُ النبيَّ قرأ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقال: (( آمين ) )ومدَّ بها صوتَه [2] . ومعنى (آمين) : اللّهمّ استجِب، وهي ليست من السورة. ويُستحَبّ للقارِئِ الفّصلُ بسكتَةٍ بين آخرِ السّورة وقولِ آمين، وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: (إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنَّه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ غفِرَ له ما تقدَّم من ذَنبِه) رواه البخاري ومسلم.
إنَّ سورةً لها هذا الفضل العظيم لجديرة بتأمل بعض معانيها واستخراج بعض كنوزِ معانيَها؛ لنهتدِيَ بهُداها.
1.الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ