أخي المسلم، أختي المسلمة: لاشك أننا جميعا نُكِنُ في صدورنا محبة لرسولنا الكريم وحبيبنا العظيم وقدوتنا وإمامنا، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن عمل بسنته واهتدى بهديه إلي يوم الدين؛ فهذه المحبة تعد من أصول الدين. ومن لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كافر نتقرب إلى الله ببغضه.
ولكن انظر ما حصل ويحصل في المولد فهو ليس من ذرائع الشرك فحسب؛ بل يحصل الشرك بعينه من دعاء لغير الله عز وجل وإعطائه صلى الله عليه وسلم بعض خصائص الرب جل وعلا كالتصرف في الكون وعلم الغيب ففي هذه الموالد يترنمون بالمدائح النبوية وعلى رأسها بردة البوصيري الذي يقول:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ويقول أحمد بن محمد ابن الحاج السلمي:
نور الهدى قد بدا في العرب والعجم سعد السعود علا في الحل والحرم
بمولد المصطفى أصل الوجود ومن لولاه لم تخرج الأكوان من عدم
فماذا بقي لرب العباد؟! إن هذا ليس شركا في الألوهية بل هو شرك في الربوبية. وهو أعظم من شرك كفار قريش والعياذ بالله؛ لأن كفار قريش كانوا يعتقدون أن المتصرف في الكون هو الله عز وجل لا أصنامهم وهؤلاء يزعمون أن المتصرف في الكون الذي بيده الدنيا والآخرة هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وانظر إلى قوله ( يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ) فهو يعتبر رسول الله هو الملاذ وهو الذي يستغاث به ويدعوه عند الملمات وهذا هو عين شرك كفار قريش الذي يعبدون الأوثان بل هم أحسن حالا منه فهم عند الشدائد يخلصون الدعاء والعبادة. والبوصيري عند الشدائد والملمات يدعو غير الله .
والموالد لا يمكن أن تقوم بغير أبيات البردة والله المستعان فهي الشعيرة والركيزة الأساسية في هذه الموالد البدعية.
ولو لم يكن فيها إلا هذه المفسدة لكفى بها مبررًا لتحريمها والتحذير منها .
وإن زعم شخص انه سوف يخليه مما تقدم قلنا له المولد بحد ذاته هو مظهر من مظاهر الغلو المذموم فضلا عما يحتويه من طوام عظيمة وبدعة في الدين محدثة لم يشرعها ولم يأذن بها الله .
اعلم أنه على مدى ما يزيد على ثلاثمائة وخمسين سنة من بعثة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، لم يحتفل أحد من العلماء ولا من الحكام ولا حتى من عامة الناس بالمولد النبوي، ولا أمر به أو حث عليه أو تكلم به. قال الحافظ السخاوي:"عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعد".أهـ
لقد أحدث هذا الأمر -أعني المولد النبوي- الخلفاء الفاطميون. يقول الإمام المقريزي، رحمه الله:"وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي: رأس السنة.. وأول العام..ويوم عاشوراء.. ومولد النبي صلى الله عليه وسلم..، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما، ومولد فاطمة الزهراء رضي الله، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النيروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات"• وقال المقريزي:"وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع والأزقة بمصر". وقال:"وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة"..
وقال:"وكان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطل أمر الموالد الأربعة: النبوي ، والعلوي ، والفاطمي ، والإمام الحاضر ولكن أعادها الخليفة الآمر بأحكام الله"أ.هـ
فعلى هذا أول من أحدث ما يسمى بالمولد النبوي هم بنو عبيد الذين اشتهروا بالفاطميين.
قال الإمام أبو شامة المؤرخ المحدث صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين ص 200-202عن الفاطميين العبيديين:
"أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون فملكوا البلاد وقهروا العباد وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنهم لم يكونوا لذلك أهلا ولا نسبهم صحيحا بل المعروف أنهم (بنو عبيد) ؛ وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي وقيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سلمية من بلاد الشام وكان حدادا ."
فلما دخل المغرب تسمى ب ( عبيد الله ) وزعم أنه علوي فاطمي وادعى نسبا ليس بصحيح -لم يذكره أحد من مصنفي الأنساب العلوية بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه -
ثم ترقت به الحال إلى أن ملك وتسمى ب (المهدي) وبنى المهدية بالمغرب ونسبت إليه وكان زنديقا خبيثا عدوا للإسلام متظاهرا بالتشيع متسترا به حريصا على إزالة الملة الإسلامية قتل من الفقهاء والمحدثين جماعة كثيرة وكان قصده إعدامهم من الوجود لتبقى العامة كالبهائم فيتمكن من إفساد عقائدهم وضلالتهم والله متم نوره ولو كره الكافرون.