فهرس الكتاب

الصفحة 25991 من 27345

هل القرآن يقرر ألوهية المسيح عليه السلام ؟

يعتمد النصارى - من جملة ما يعتمدون عليه - في إثبات ألوهية المسيح على قوله - تعالى: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه} (النساء: 171) فهم يرون في هذه الآية دليلاً على أن القرآن الكريم يشهد لقضية ألوهية المسيح وبنوته. كما أنهم يرون أن القرآن الكريم يقرر عقيدة التثليث التي يعتقدونها؛ ودليلهم على ما يقولون: أن قوله عن عيسى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} يشهد بأن عيسى إله مع الله، إذ هو جزء منه بنص الآية، فهو كلمة الله، وهو روح منه. قالوا: وحاشا أن تكون كلمة الله وروحه مخلوقة، إذ ليس هنالك إلا خالق أو مخلوق، فينتج عن هذا أن عيسى - عليه السلام - خالق وإله.

ثم يستطرد النصارى في توضيح عقيدة التثليث - بناءً على ما سبق من إثبات ألوهية المسيح - ويقولون: إن عيسى كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، فعيسى هذه الكلمة، وقد ألقي إلى مريم، ولا شك أن الكلمة كانت موجودة قبل أن تلقى إلى مريم، لأنه لا يمكن الإلقاء من العدم، وهذا يعني أن وجود المسيح كان وجودًا قديمًا بقدم الله، وقبل أن تحمل به مريم، وبديهي - على حد قولهم - أن الوجود السابق للولادة ينفي أن يكون المسيح مخلوقًا، وإذا لم يكن المسيح مخلوقًا كان هذا دليلاً على أزليته؛ ثم أضافوا فقالوا: وقوله: {وروح منه} يدل على أنه جزء من الله الخالق.

إن أصل الإشكال عند النصارى في هذه الآية - وهو سبب ضلالهم - عدم فهمهم وإدراكهم لطبيعة النص القرآني. وإن شئت قل: إن سبب ضلالهم هو فهمهم النص القرآني وَفْقَ ما يروق لهم؛ واعتمادهم على منهج الانتقائية في الاستدلال بآيات القرآن الكريم كما سيظهر.

ولتفنيد هذه الشبهة، لا بد من تفصيل القول في جزئين رئيسين في الآية التي معنا، الجزء الأول قوله - تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم} والجزء الثاني قوله - تعالى: {وروحٌ منه} ولنبدأ بالجزء الأول، فنقول أولاً:

إن (كلمة الله) مركبة من جزئين (كلمة) (الله) فهي مركبة من مضاف ومضاف إليه؛ وإذا كان الأمر كذلك، فإما أن نقول: إن كل مضاف لله - تعالى - هو صفة من صفاته، أو نقول: إن كل مضاف لله ليس صفة من صفاته. وبعبارة أخرى، إما أن نقول: إن كل مضاف لله مخلوق، أو إن كل مضاف لله غير مخلوق. وإذا قلنا: إن كل مضاف لله صفة من صفاته، وهو غير مخلوق، فإننا سنصطدم بآيات في القرآن، وكذلك بنصوص في الإنجيل، يضاف فيها الشيء إلى الله، وهو ليس صفة من صفاته، بل هو مخلوق من مخلوقاته، كما في قوله - تعالى: {ناقة الله} (الأعراف: 73) وكما نقول: بيت الله، وأرض الله، وغير ذلك. وإذا عكسنا القضية وقلنا: إن كل مضاف لله مخلوق، فإننا كذلك سنصطدم بآيات ونصوص أخرى؛ كما نقول: علم الله، وحياة الله، وقدرة الله. إذن لا بد من التفريق بين ما يضاف إلى الله؛ فإذا كان ما يضاف إلى الله شيئًا منفصلاً قائمًا بنفسه، كالناقة والبيت والأرض فهو مخلوق، وتكون إضافته إلى الله - تعالى -من باب التشريف والتكريم؛ أما إذا كان ما يضاف إلى الله شيئًا غير منفصل، بل هو صفة من صفاته، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. ومن البديهي أن يكون هذا غير مخلوق، إذ الصفة تابعة للموصوف ولا تقوم إلا به، فلا تستقل بنفسها بحال.

وإذا عدنا إلى الجزء الذي معنا هنا فإننا نجد أن (كلمة الله) هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فـ (الكلمة) هي صفة الله - تعالى -، وليست شيئًا خارجًا عن ذاته حتى يقال إن: المسيح هو الكلمة، أو يقال: إنه جوهر خالق بنفسه كما يزعم النصارى.

فخلاصة هذا الوجه أن (كلمة الله) صفة من صفاته، وكلامه كذلك، وإذا كان الكلام صفة من صفاته فليس هو شيء منفصل عنه، لما تقرر آنفًا من أن الصفة لا تقوم بنفسها، بل لا بد لها من موصوف تقوم به. وأيضًا فإن (كلمة الله) ليست هي بداهة جوهر مستقل، فضلاً عن أن تتجسد في صورة المسيح، كما يزعم النصارى.

ثانيا: إن أبى المعرضون ما سبق، وقالوا: بل المسيح هو (الكلمة) وهو الرب، وهو خالق وليس بمخلوق، إذ كيف تكون الكلمة مخلوقة؟ فالجواب: إذا سلمنا بأن المسيح هو (الكلمة) وهو الخالق، فكيف يليق بالخالق أن يُلقى؟! إن الخالق حقيقة لا يلقيه شيء، بل هو يلقي غيره، فلو كان خالقًا لَمَا أُُلقي، ولَمَا قال الله: {وكلمته ألقاها} ؟.

ثالثاً: إذا ثبت بطلان دعواكم من أن المقصود من (كلمة الله) المسيح عيسى، كان لزامًا علينا أن نبين المراد بكلمة الله الواردة في الآية موضع النقاش: {وكلمته ألقاها إلى مريم} والجواب على ذلك بأن نقول: إن المراد من (كلمة الله) يشتمل على معنيين، كلاهما صحيح، ولا يعارض أحدهما الآخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت