فهرس الكتاب

الصفحة 12744 من 27345

يقول الله تبارك وتعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) إبراهيم/27 .

قال ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى: ( يثبت الله الذين آمنوا ... الآية ) هو لا إله إلا الله . وروى النسائي عن البراء قال: قال ( يثبت الله الذين آمنوا ... الآية ) نزلت في عذاب القبر ، يقال: ربي الله وديني دين محمد ، فذلك قوله: ( يثبت الله الذين آمنوا ... الآية ) .

المعنى الإجمالي للآية الكريمة: يتصل المعنى الإجمالي للآية الكريمة بتثبيت الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الحياة اللآخرة ، على الطريق المستقيم ، وعلى عقيدة التوحيد ، كما يتصل هذا المعنى بنفي ذلك التثبيت عن الظالمين الكافرين ، بسبب ظلمهم وكفرهم ، وبعدهم عن الحق وجريهم وراء شهوات النفس ووساوس الشيطان ، وصدهم عن السبيل القويم ، ومعاداتهم لأصحاب الصراط المستقيم .

تثبيت الله تعالى لعباده المؤمنين في الدنيا:

التثبيت في الحياة الدنيا له معنيان:

المعنى الأول: التثبيت في القبر عند سؤال الملكين ، أخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أُقعد المؤمن في قبره أتاه آت ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، فذلك قوله:( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) . وقد قال القفال وجماعته: في الحياة الدنيا ، أي في القبر ، لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا ، وحكاه الماوردي عن البراء قال: المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر ، وبالآخرة المساءلة في القيامة . ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 9/238 ) .

والمعنى الثاني: يتصل هذا المعنى بالتثبيت على الإيمان والإسلام والتقوى والاستقامة وفعل الخير والصلاح والمعروف ، ويتصل كذلك بتوفيق الله تعالى لعباده الصالحين وتأييدهم ، ونصرتهم وإعزازهم ، وتقويتهم على القول الثابت والإيمان الراسخ والاعتقاد الجازم والتسليم المطلق لأحكام الله تعالى وأوامره وتوجيهاته . وقد أورد القرطبي في كتابه ( الجامع لأحكام القرآن ) بأن معنى ( يثبت الله ) يديمهم الله على القول الثابت ، ومنه قول عبد الله بن رواحة:

يثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرًا كالذي نُصرا

وهذا المعنى له ما يؤيده ويعضده من نصوص الكتاب العزيز: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ، وقوله تعالى: ( وكان حقًا علينا نصر المؤمنين ) وقوله تعالى: ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .

وقوله تعالى: ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .

تثبيت الله تعالى لعباده المؤمنين في الآخرة:

عن البراء بن عازب قال: المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر ، وبالآخرة المساءلة في القيامة .

فالتثبيت في الدنيا كما ذكرت ذلك قبل قليل هو التثبيت عند سؤال الملكين في القبر ، والتثبيت على الحق والتقوى والصلاح في حياة المؤمن في دنياه . أما التثبيت في الآخرة فهو تثبيت المؤمن يوم القيامة عندما يسأل عن أعماله وأفعاله ، وعن شبابه وعمره ، وعن ماله وممتلكاته ، وعن واجباته نحو نفسه ونحو غيره ومحيطه ، وعن مختلف تصرفاته وأحواله وشؤونه التي تعلق بها التكليف الشرعي الإسلامي ، أمرًا ونهيًا ، فعلًا وتركًا ، فالمؤمن يثبت ويصمد - بتوفيق الله تعالى ومشيئته - يوم القيامة وفي القبر ، وفي حياة البرزخ كلها ، ويبعث الله تعالى فيه الطمأنينة والأمن والثبات ، وذلك لما قدم في حياته من عمل الصالحات ، ومن ملازمة الاعتقاد الراسخ الصحيح ، ومن فعل للأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة ، ومن اقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسننه الصحيحة ، بلا زيادة ولا ابتداع ، وبلا تنقيص ولا تحريف ، وإنما باتباع منهج السلف الصالح ، وعمل أهل السنة والجماعة .

انتفاء الثبات عن الظالمين:

المراد بالظالمين هنا الكفار ، لأنهم ظلموا أنفسهم ، وكفروا بآيات الله تعالى ، وبدلوا القول الثابت والإيمان الصحيح بما أملته عليهم عقولهم المنحرفة ، وشهواتهم الفاسدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت