فهرس الكتاب

الصفحة 15900 من 27345

بثت شبكة «ان.بي.سي. نيوز» - كما جاء في مقال الأستاذ فهمي هويدي بجريدة الشعب بتاريخ 26\10\2003 - شرائط فيديو ظهر فيها الجنرال ويليام بويكين نائب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون المخابرات، وهو يتحدث مرتديا زيه العسكري في بعض الكنائس عن الإسلام والمسلمين، قائلا انهم يريدون تدميرنا «لأننا شعب مسيحي» ، و «انهم عدو روحي يدعى أمير الظلام، وعدو يدعى الشيطان» ، ومضيفا"إن إلهنا حقيقي أما إله المسلمين فهو مجرد وثن" (!)

لقد كان كلام الجنرال الأمريكي - كما يقول الأستاذ فهمي هويدي - طاعنا بشكل جارح في عقيدة المسلمين ومرددا لمقولات بعض من قادة الانجيليين المتعصبين في الولايات المتحدة

وفي تقديري أننا إذا ما أخرجنا هذه التصريحات - وأمثالها يفوق الحصر - من سياقها السياسي ورجعنا بها وبأمثالها إلى سياقها الثقافي الذي ينبع منها أدركنا أنها لم تكن غريبة ، وإن استغربها بعضنا لعوامل مختلفة .

لقد كان كلام الرجل منسجما تماما مع بيئته الثقافية المتشربة بكراهيتها للإسلام على مدى الأجيال والقرون ، سواء في أمريكا أو أوربا. ومن هنا فليس من الصواب أن نعطي أهمية تذكر لما يقال عن التحقيق الذي يمكن إجراؤه أو عدم إجرائه مع الجنرال الأمريكي المذكور من رئاسته فهو مجرد فسيل في غابة الكراهية المنتجة أوربيا ضد الإسلام .

وهي كراهية على وعي كاف بالتفرقة بين ما هو الإسلام ومن هم المسلمون ، ومن ثم فهم - وفي وضوح تام - يوجهونها إلى الإسلام رأسا ، ففي نشرة قناة الجزيرة بتاريخ 25\10\2003 اعترف الصحفي الفرنسي المعروف كلود إيمبير الذي يكتب الافتتاحيات في مجلة"لو بوان"الفرنسية بحقيقة مشاعر الكراهية التي يحملها للدين الإسلامي.وصرح بأنه يحمل نفورا من الإسلام ، واتهم إيمبير الإسلام بأنه ينظر للمرأة بطريقة تقلل من مقامها بشكل مستمر، وقال إن السعي إلى إحلال شريعة القرآن مكان شرائع الدول يجعله ينفر من الإسلام، وإن الدين المسيحي يزعجه أقل ، لأنه لا يملك مثل هذا الادعاء، وأضاف أنه"لا يوجد أي سبب للتنازل إلى حد نكران القناعات العميقة بداعي التسامح".. ومضى يقول في لقاء أجرته معه محطة"LCI"عن موضوع الحجاب"إ ن الإسلام يحمل مجموعة من الحماقات والتقاليد القديمة المختلفة"، وأضاف"يجب أن أكون صريحا، ولي الحق وهناك غيري في هذا البلد يفكرون مثلي بأن أقول إن الإسلام لا الإسلاميين يحمل مجموعة من الحماقات والتقاليد القديمة المختلفة".

ومن هنا فليس من الصواب أن نعطي أهمية تذكر لما يقال عن التحقيق الذي يمكن إجراؤه أو عدم إجرائه مع الجنرال الأمريكي المذكور من رئاسته فهو مجرد فسيل في غابة الكراهية المنتجة أوربيا ضد الإسلام .

أوما يقال عن استنكار الحركة المناهضة للعنصرية والمؤيدة للصداقة بين الشعوب في فرنسا لتصريحات الصحفي المذكور، فهي مجرد فقاعات فوق سطح محيط من الكراهية التاريخية العميقة المتجددة ، التي تهب علينا من اتجاه واحد ، وهي من ناحية أخرى محض محاولات التهدئه تأتي في سياق مناسبة التوقيت .

في تقديري أنه لم يعد الأمر يسمح بتجيير المعركة إلى المسلمين باعتبارهم نموذجا سيئا للإسلام فيصبح اللوم كله استحقاقا خالصا لهم ، و يتم الاعتذار عن السيد"الغربي"في كراهيته للإسلام باعتبارها كراهية مبررة ، وهو اعتذار ناشئ من نفسية الطرف المهزوم وميله لجلد الذات وتقديره المتورم للمنتصر التاريخي ، ولقد آن الأوان للمهزومين أن يكشفوا عن جهة البلاء النازل بهم: إنها الكراهية الطافحة عليهم من نوافذ السيد الغربي بتكوينه التاريخي وبيئته الثقافية المتجذرة في الأعماق

ولقد ساهم في تكوين هذه البيئة بصفة أساسية تراث عريض مما يسمى"الاستشراق"

وفي صنيع قدمه للإسلام إدوارد سعيد لم يقدمه له أجيال من أبنائه ممن ذهبوا للغرب للاغتراف من معينه (!) كشف الراحل العبقري في كتابه"الاستشراق: الانشاء . المعرفة . السلطة .""ــ ترجمة كمال أبوديب طبعة 1981 صـ 64 ــ 65 - عن جريمة المؤسسة الاستشراقية فيما سماه"شرقنة الشرق"، هذه الشرقنة التي وضعت الإسلام عند الإنسان الغربي في سجن التصور الاستشراقي ، منذ صلة أوربا بالشرق حتى اليوم وكان من ضحاياه الأجيال والملايين من أمثال الجنرال والصحفي سالفي الذكر في أوربا القديمة والجديدة وأمريكا الشمالية والجنوبية على السواء"

وإذا كان الدكتور إدوارد سعيد قد استفاد كثيرا من جو الحرية العلمية في الولايات المتحدة للوصول إلى ما وصل إليه في دراسته عن الاستشراق فإن جو العداء الثقافي للإسلام كان أكثر تجذرا في تلك البيئة من جو الحرية العلمية الأمر الذي ظهر أخيرا في استصدار تقنين منع مثل هذه الدراسات مستقبلا كما جاء في تقرير لقناة الجزيرة ظهر في نشرتها بتاريخ 15\12\2003

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت