فهرس الكتاب

الصفحة 9938 من 27345

صالح بن عبد القدوس

صَرَمتْ حِبالَكَ بعد وَصلكَ زينبُ والدَّهرُ فيهِ تَغيَّرٌ وتَقَلُّبُ

نَشَرتْ ذوائِبَها التي تَزهو بها سُودًا ورأسُك كالثُّغامَةِ أشيَبُ

واستنفرتْ لمّا رأتْكَ وطالما كانتْ تحنُّ إلى لقاكَ وتَرغبْ

وكذاكَ وصلُ الغانياتِ فإنه آل ببلقَعَةٍ وبَرْقٌ خُلَّبُ

فدَّعِ الصِّبا فلقدْ عداكَ زمانُهُ وازهَدْ فعُمرُكَ مرَّ منهُ الأطيَبُ

ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ وأتَى المشيبُ فأينَ منهُ المَهربُ

دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا واذكُر ذنوبَكَ وابِكها يا مُذنبُ

واذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه لا بَدَّ يُحصي ما جنيتَ ويَكتُبُ

لم ينسَهُ الملَكانِ حينَ نسيتَهُ بل أثبتاهُ وأنتَ لاهٍ تلعبُ

والرُّوحُ فيكَ وديعةٌ أودعتَها ستَردُّها بالرغمِ منكَ وتُسلَبُ

وغرورُ دنياكَ التي تسعى لها دارٌ حقيقتُها متاعٌ يذهبُ

والليلُ فاعلمْ والنهارُ كلاهما أنفاسُنا فيها تُعدُّ وتُحسبُ

وجميعُ ما خلَّفتَهُ وجمعتَهُ حقًا يَقينًا بعدَ موتِكَ يُنهبُ

تَبًَّا لدارٍ لا يدومُ نعيمُها ومَشيدُها عمّا قليلٍ يَخربُ

فاسمعْ هُديتَ نصيحةً أولاكَها بَرٌّ نَصوحٌ للأنامِ مُجرِّبُ

صَحِبَ الزَّمانَ وأهلَه مُستبصرًا ورأى الأمورَ بما تؤوبُ وتَعقُبُ

لا تأمَنِ الدَّهرَ الخَؤُونَ فإنهُ ما زالَ قِدْمًا للرِّجالِ يُؤدِّبُ

وعواقِبُ الأيامِ في غَصَّاتِها مَضَضٌ يُذَلُّ لهُ الأعزُّ الأنْجَبْ

فعليكَ تقوى اللهِ فالزمْها تفزْ إنّّ التَّقيَّ هوَ البَهيُّ الأهيَبُ

واعملْ بطاعتِهِ تنلْ منهُ الرِّضا إن المطيعَ لهُ لديهِ مُقرَّبُ

واقنعْ ففي بعضِ القناعةِ راحةٌ واليأسُ ممّا فاتَ فهوَ المَطْلبُ

فإذا طَمِعتَ كُسيتَ ثوبَ مذلَّةٍ فلقدْ كُسيَ ثوبَ المَذلَّةِ أشعبُ

وتَوَقَّ منْ غَدْرِ النِّساءِ خيانةً فجميعُهُنَّ مكايدٌ لكَ تُنصَبُ

لا تأمنِ الأنثى حياتَكَ إنها كالأفعُوانِ يُراغُ منهُ الأنيبُ

لا تأمنِ الأُنثى زمانَكَ كُلَّهُ يومًا ولوْ حَلَفتْ يمينًا تكذِبُ

تُغري بلينِ حديثِها وكلامِها وإذا سَطَتْ فهيَ الصَّقيلُ الأشطَبُ

وابدأْ عَدوَّكَ بالتحيّةِ ولتَكُنْ منهُ زمانَكَ خائفًا تترقَّبُ

واحذرهُ إن لاقيتَهُ مُتَبَسِّمًا فالليثُ يبدو نابُهُ إذْ يغْضَبُ

إنَّ العدوُّ وإنْ تقادَمَ عهدُهُ فالحقدُ باقٍ في الصُّدورِ مُغيَّبُ

وإذا الصَّديقٌ لقيتَهُ مُتملِّقًا فهوَ العدوُّ وحقُّهُ يُتجنَّبُ

لا خيرَ في ودِّ امريءٍ مُتملِّقٍ حُلوِ اللسانِ وقلبهُ يتلهَّبُ

يلقاكَ يحلفُ أنه بكَ واثقٌ وإذا توارَى عنكَ فهوَ العقرَبُ

يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً ويَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلبُ

وَصِلِ الكرامَ وإنْ رموكَ بجفوةٍ فالصفحُ عنهمْ بالتَّجاوزِ أصوَبُ

واخترْ قرينَكَ واصطنعهُ تفاخرًا إنَّ القرينَ إلى المُقارنِ يُنسبُ

إنَّ الغنيَ من الرجالِ مُكرَّمٌ وتراهُ يُرجى ما لديهِ ويُرهبُ

ويُبَشُّ بالتَّرحيبِ عندَ قدومِهِ ويُقامُ عندَ سلامهِ ويُقرَّبُ

والفقرُ شينٌ للرِّجالِ فإنه حقًا يهونُ به الشَّريفُ الأنسبُ

واخفضْ جناحَكَ للأقاربِ كُلِّهمْ بتذلُّلٍ واسمحْ لهمْ إن أذنبوا

ودعِ الكَذوبَ فلا يكُنْ لكَ صاحبًا إنَّ الكذوبَ يشينُ حُرًا يَصحبُ

وزنِ الكلامَ إذا نطقتَ ولا تكنْ ثرثارةً في كلِّ نادٍ تخطُبُ

واحفظْ لسانَكَ واحترزْ من لفظِهِ فالمرءُ يَسلَمُ باللسانِ ويُعطَبُ

والسِّرُّ فاكتمهُ ولا تنطُقْ بهِ إنَّ الزجاجةَ كسرُها لا يُشعَبُ

وكذاكَ سرُّ المرءِ إنْ لمْ يُطوهِ نشرتْهُ ألسنةٌ تزيدُ وتكذِبُ

لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليسَ بزائدٍ في الرِّزقِ بل يشقى الحريصُ ويتعبُ

ويظلُّ ملهوفًا يرومُ تحيّلًا والرِّزقُ ليسَ بحيلةٍ يُستجلَبُ

كم عاجزٍ في الناسِ يأتي رزقُهُ رغَدًا ويُحرَمُ كَيِّسٌ ويُخيَّبُ

وارعَ الأمانةَ ، والخيانةَ فاجتنبْ واعدِلْ ولا تظلمْ يَطبْ لكَ مكسَبُ

وإذا أصابكَ نكبةٌ فاصبرْ لها من ذا رأيتَ مسلَّمًا لا يُنْكبُ

وإذا رُميتَ من الزمانِ بريبةٍ أو نالكَ الأمرُ الأشقُّ الأصعبُ

فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ يدعوهُ من حبلِ الوريدِ وأقربُ

كُنْ ما استطعتَ عن الأنامِ بمعزِلٍ إنَّ الكثيرَ من الوَرَى لا يُصحبُ

واحذرْ مُصاحبةَ اللئيم فإنّهُ يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

واحذرْ من المظلومِ سَهمًا صائبًا واعلمْ بأنَّ دعاءَهُ لا يُحجَبُ

وإذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلدةٍ وخشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ

فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا طولًا وعَرضًا شرقُها والمغرِبُ

فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ ويُوهَبُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت