فهرس الكتاب

الصفحة 22503 من 27345

(إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي)

لقد كان حصار الأعداء لدعوة الإسلام شديدًا محكمًا , حيث لم يكتفوا بتنفير ساكني مكة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشويه سمعته عندهم بل صاروا يتلقون الوافدين إليهم ليسمِّموا أفكارهم وليحولوا بينهم وبين سماع كلامه والتأثر بدعوته .

وإن من أبرز الأمثلة على ذلك ماجرى منهم مع الطفيل بن عمرو الدوسي , وقد أخرج خبره محمد بن إسحاق رحمه الله حيث قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على مايرى من قومه ( [1] ) يبذل لهم النصيحة ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه وجعلت قريش - حين منعه الله منهم - يحذِّرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب .

وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدِّث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها فمشى إليه رجال من قريش, وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا , فقالوا له: ياطفيل إنك قَدمْتَ ( [2] ) بلادنا , وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا , وقد فرق جماعتنا , وشتت أمرنا , وإنما أمره كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه , وبين الرجل وبين أخيه , وبين الرجل وبين زوجته , وإنا نخشى عليك وعلى قومك ماقد دخل علينا فلا تكلمنَّه ولا تسمعنَّ منه شيئًا .

قال: فو الله مازالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه , حتى حشوت في أذنيَّ حين غدوت إلى المسجد كُرْسفًا فرقًا ( [3] ) من أن يبلغني شيء من قوله , وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة . قال: فقمت منه قريبًا, فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله, قال: فسمعت كلامًا حسنًا , قال: فقلت في نفسي: واثُكل أمي؛ والله إني لرجل لبيب شاعر وما يخفى عليّ الحسن من القبيح , فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته , وإن كان قبيحًا تركته .

قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته فاتَّبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه, فقلت: يامحمد , إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا , للذي قالوا , فو الله مابرحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك , ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك, فسمعته قولًا حسنًا, فاعرض عليّ أمرك .

قال فعرض عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام , وتلا عليَّ القرآن , فلا والله ماسمعت قولًا قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل منه . قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق , وقلت: يانبي الله , إني امرؤ مطاع في قومي , وأنا راجع إليهم , وداعيهم إلى الإسلام , فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه , فقال: اللهم اجعل له آية .

قال: فخرجت إلى قومي , حتى إذا كنت بثَنيّة ( [4] ) تُطْلعُني على الحاضر ( [5] ) وقع نور بين عيني مثل المصباح , فقلت: اللهم في غير وجهي , إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم . قال: فتحول فوقع في رأسي سوطي , قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق , وأنا أهبط إليهم من الثنية , قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم .

قال: فلما نزلت أتاني أبي , وكان شيخا كبيرا , قال: فقلت: إليك عني يا أبت , فلست منك ولست مني قال: ولمَ يابني ؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم , قال: أي بني , فديني دينك , قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك , ثم تَعَالَ حتى أعَلِّمك ماعُلِّمت. قال: فذهب فاغتسل , وطهر ثيابه , قال: ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم .

قال: أتتني صاحبتي ( [6] ) , فقلت: إليك عني , فلست منك ولست مني , قالت: لم ؟ بأبي أنت وأمي , قال: قلت: قد فَرَّق بيني وبينك الإسلام , وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم , قالت: فديني دينك , قال: قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرَى فتطهري منه ( [7] ) .

قال: وكان ذو الشرى صنمًا لِدَوْس , وكان الحمى حمىً حموه له , وبه وَشَل من ماءٍ يهبط من جبل .

قال: فقالت: بأبي أنت وأمي , أتخشى على الصِّبْيَة من ذي الشَّرى شيئًا ؟ قال: قلت: لا أنا ضامنٌ لذلك , فذهبتْ فاغتسلتْ , ثم جاءت فعرضتُ عليها الإسلام , فأسلمت .

ثم دعوتُ دَوْسا إلى الإسلام فأبطأوا عليّ , ثم جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت له: يانبي الله, إنه قد غلبني على دَوْس الزنى ( [8] ) , فادع الله عليهم , فقال: اللهم اهْد دَوسًا , إرجع إلى قومك فَادْعُهُم وارفق بهم .

قال: فلم أزل بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإسلام , حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة , ومضى بدر وأحد والخندق , ثم قدمت على رسول الله بمن أسْلَم معي من قومي , ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر , حتى نزلتُ المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دَوس , ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر , فأسهم لنا مع المسلمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت