فهرس الكتاب

الصفحة 22502 من 27345

ويشبه خبر ضماد الأزدي من بعض الجوانب ماأخرجه ابن حبان رحمه الله من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يداوي ويعالج فقال: يامحمد , إنك تقول أشياء هل لك أن أداويك ؟"

قال فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله ثم قال له: هل لك أن أريك آية ؟ وعنده نخل وشجر, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عذقًا منها فأقبل إليه وهو يسجد ويرفع رأسه ويسجد ويرفع رأسه حتى انتهى إليه صلى الله عليه وسلم فقام بين يديه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى مكانك , فرجع إلى مكانه . فقال العامري: والله لا أكذبك بشيء تقوله أبدًا . ثم قال: يا آل عامر ابن صعصعة , والله لا أكذبه بشيء يقوله"قال: والعذق: النخلة ( [7] ) ."

فهذا الرجل العامري يتطبب ويعالج المرضى , ولما سمع أهل مكة يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنون تقدم إليه وعرض عليه أن يداويه من ذلك ولكن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعامري اختلف عن جوابه لضماد الأزدي , فقد كان جوابه لضماد يقوم على الفصاحة والبيان وجزالة المعاني , وهذا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في حال ضماد أنه ممن يؤثر فيهم الأدب الرفيع والمعاني السامية فبادره بذلك الجواب الذي هز كيانه وأخضع جنانه , وأمثال ضماد هم الأكثرون في حياة العرب آنذاك ولذلك كان جُلُّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على الإبداع في هذا المجال .

أما ذلك العامري , فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه من أهل العاطفة القوية والخضوع للأمور الحسية , فعرض عليه آية مشاهدة تُخضع من رآها - ممن تجرد من الهوى - إلى الإذعان لها والتسليم لصاحبها بأنه ليس من البشر العاديين .

وهكذا تتنوع أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة حسب فهمه لمداخل النفوس وطرق التأثير عليها , فهو القدوة العليا في ذلك , ومنه يجب أن تؤخذ مناهج الدعوة وأساليبها .

( [1] ) ذكر الإمام النووي أنه ضبط هذه الكلمة من وجهين: أولهما ناعوس والثاني قاموس , وذكر أن هذا هو الأشهر عند غير مسلم , وعليه سار أبو مسعود الدمشقي في أطراف الصحيحين والحميدي في الجمع بين الصحيحين , وذكر أن هذا هو الموافق لكلام أهل اللغة وأن معناه وسط البحر وقعره ولجته - شرح النووي على صحيح مسلم 6/157 - .

( [2] ) يعني بعد الهجرة .

( [3] ) صحيح مسلم ص 593 , رقم 868 .

( [4] ) فتاوى ابن تيمية 16 /72 .

( [5] ) فتاوى ابن تيمية 16/72 .

( [6] ) الزهد للإمام أحمد بن حنبل /120 .

( [7] ) موارد الظمآن 520 , وذكره الحافظ الهيثمي وقال: رواه أبو يعلى , ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة - مجمع الزوائد 9/10 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت