فهرس الكتاب

الصفحة 22501 من 27345

وقال الحسن أيضًا في هذا المعنى: لقد رأيت رجالًا لو رأيتموهم لقلتم مجانين ( [5] ) . يخاطب بذلك أهل الدنيا في عصره من المسلمين , ويريد بالرجال من رآهم من الصحابة رضي الله عنهم, ويقصد بهذا الكلام أن أهل الدنيا في عصره لو رأوا الصحابة في زهدهم في الدنيا وإقبالهم على الآخرة وتنافسهم في الجهاد وطلب الشهادة والإنفاق في سبيل الله تعالى لاتهموهم بالجنون .

وفي هذا الخبر بيان اتصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفتي الصبر والحلم وهما من أهم الصفات اللازمة للنجاح في الدعوة , فهذا الرجل وهو ضماد الأزدي قد قدم مكة وهو يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجنون , وذلك لكثرة مايبث قومه عنه من دعاوى كاذبة في القبائل , وحيث إن ضمادًا يعالج من ابتلي بالجنون فإنه قد عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعالجه من ذلك .

وهذا موقف يثير غضب من اتهم بذلك عادة , ويتبع ذلك توبيخ المتكلم به إن لم يحصل ماهو أشد من ذلك , ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جبله الله تعالى على مكارم الأخلاق قد استقبل الامر بحلم وهدوء مما أثار إعجاب ذلك الرجل وجعله مهيئًا لقبول ماسيدعوه إليه , ولذلك ما إن بدأ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه بالمقدمة التي يستفتح بها بعض خطبه حتى أعلن ذلك الرجل أن الكلام الذي سمعه لايشبهه ولايدانيه كلام الشعراء ولا كلام الكهان والسحرة فأسلم في تلك الساعة .

وهذا شاهد على فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة بيانه , وانبعاث كلامه من قلب مُليءَ إيمانًا ويقينًا وحكمة , حيث فاض ذلك على غُرر بيانه فأصبح آسرًا لسامعيه , وجاذبًا لأصحاب القلوب المتجردة إلى اتباعه .

ولئن كان كثير من الناس اليوم لا يتأثر بهذا الكلام وأمثاله , فهذا ليس لعيب في الكلام, وإنما هو لتدني مستوى المتلقي في الذوق والوجدان وفهم اللغة العربية , أو لعدم صدور ذلك الكلام من قلب متأثر به أو لهما جميعًا .

وفي سرعة إسلام ذلك الرجل دلالة على أن الإسلام هو دين الفطرة وأن النفوس إذا تجردت من الضغوط الداخلية التي يحمل عليها اتباع الهوى , والضغوط الخارجية التي من أبرزها هيمنة الطغاة من الأكابر الذين يرسخون في النفوس رهبتهم وتقديس مبادئهم الضالة في قلوب الناس من غير أن يكون لهم اختيار وتفكير .. إذا خلت النفوس من ذلك فإنها غالبًا تتأثر وتستجيب , إما بسماع قول مؤثر , أو الإعجاب بسلوك قويم .

وفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من ضماد لقومه دلالة على مبلغ اهتمامه صلى الله عليه وسلم بدعوته , وذلك باغتنام كل فرصة ينتج عنها تقدم في هذه الدعوة , فقد لاحظ سرعة إقبال ذلك الرجل على الإسلام وقوة قناعته به , فدفعه ذلك إلى أخذ البيعة منه لقومه , وذلك وعد مؤكد منه بحمل قومه على الإسلام , ولاشك أن من بايع النبي صلى الله عليه وسلم نيابة عن قومه سيبذل كل ما يملك من طاقة في جذب قومه إلى هذا الدين .

وفي هذا بيان واضح لأهمية الدعوة إلى الله تعالى , حيث جعلها النبي صلى الله عليه وسلم قرينة الالتزام الشخصي , فقد بايع ضماد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الالتزام بالدين , فلم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك بل أخذ منه البيعة على دعوة قومه إلى الإسلام لأن دعوتهم متعينة عليه .

فالدعوة فرض كفاية , إذا قام بها من يكفي سقط الوجوب عن بقية الأمة , وإذا لم يتم ذلك أثم كل من كان أهلًا لهذا الأمر , وإذا تعينت على واحد بعينه كانت فرض عين كما هو الحال في هذا الخبر .

ومن المعلوم أن من دخل في الإسلام يكون في جو رَوْحَاني قوي , ويدفعه الندم على مافات من أيامه - وهو في ضلال - على مضاعفة الجهد في خدمة هذا الدين الذي هداه الله إليه , فيكون لديه استعداد قوي لبذل الجهد في هذا المجال .

ويشبه هؤلاء المسلمين الجدد في هذه الحيوية والاندفاع نحو العمل المنحرفون من المسلمين الذين منَّ الله عليهم بالتوبة والهداية فإنهم لايشعرون بانتمائهم الحقيقي للإسلام إلا بعد استنارة قلوبهم بالهدى , ولذلك فإنهم يندفعون بقوة نحو العمل الصالح والدعوة إلى الإسلام .

وإن مما يُوْصَى به مجالسة التائبين لاكتساب قوة الإيمان والحيوية الدافعة إلى العمل الصالح, وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جالسوا التوابين فإنهم أرقّ شيء أفئدة ( [6] ) .

وهنا تأتي براعة الموجهين في الدعوة حيث يحاولون جهدهم الإفادة من هذه الطاقات المتدفقة وتوجيهها نحو الالتزام الصحيح بالإسلام وبذل الجهد في دعوة الناس إليه , وخاصة في مجتمع الأقران الذين كانوا قبل ذلك تجمعهم الزمالة والصداقة .

وهم في كل ذلك إنما يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يوجه الطاقات ويغتنم كل الفرص المتاحة للدعوة .

فهل يفهم المسلمون هذا المعنى الجليل فيسارعوا إلى بذل جهدهم في الدعوة إلى هذا الدين والدفاع عنه ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت