فهرس الكتاب

الصفحة 20021 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

يكثر بعض الناس هذه الأَيام نسبة ما يبذلون من مال أو جهد أَو قتال أَو كلمة إِلى أَنه في سبيل الله . وعسى أن يكون الجميع إن شاء الله صادقين . وقد كثر استعمال كلمة"شهيد"على كل قتيل ، حتى لو كان ملحدًا أو من أهل الكتاب ، أو منتسبًا إلى الإسلام انتسابًا لا ترافقه إقامة الشعائر ولا ذكر الله ولا علم بدين الله . وكثرة استخدام هذه المصطلحات"الإيمانية"توحي أحيانًا باختلاط الصورة والتصوُّر والمفهوم لدى بعض القائلين .

ومع استمرار هذه الشبهة أو الخلل ، اتسع التساهل والتراخي حتى أصبح يقول بعض المسلمين"... في سبيل الوطن"،"أقاتل في سبيل الوطن"،"أبذل في سبيل العائلة"،"أضحي في سبيل القومية"، وغير ذلك من التعبيرات المشابهة التي تستخدم كلمة"في سبيل"مع أي خاطرة تبدو لصاحبها .

وربما اختلطت في بعض الأذهان معاني بعض الأحاديث الشريفة مع أحاديث أخرى ، تستعمل هذه"في سبيل الله ..."ولا تستعمل تلك".. في سبيل الله ...".

ففي الحديث الشريف عن سعيد بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قُتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد ومن قُتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد ) [ رواه أحمد ] (1)

والحديث صحيح . وهنالك حديث آخر عن أبي موسى الأشعري . قال جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: رأيتُ الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) [ رواه أحمد والشيخان ] (2)

وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالًا فله ما نوى ) [ رواه أحمد والنسائي والحاكم ] (3)

والأحاديث الشريفة كثيرة حول معنى في"سبيل الله"، والآيات الكريمة آيات بينات تفصّل معنى في"سبيل الله"كذلك أدقَّ تفصيل حتى ، لا تترك مجالًا لمرتاب أَو سائل . لا نستطيع هنا أن نورد ذلك كله ، ولكننا نأخذ قبسات فحسب . ولا نستطيع أن نعرض الصورة كلها كما يعرضها منهاج الله ، ولكننا نأخذ جانبًا منها .

من الأحاديث السابقة يتضح أن النيّة شرط رئيس في معنى"في سبيل الله"فلابد أن تكون النية خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى واعية لذلك ، حذرة من أن تنحرف فتضلَّ ، يقظةً لتدفع أي فتنة أَو ضلال .

وإخلاص النيّة لله سبحانه وتعالى يقتضي أن يكون المسلم واعيًا لما هو مقبل عليه ، مدركًا أن عمله خاضع لمنهاج الله وأحكامه ، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها: ( من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ) [ رواه أحمد ومسلم ] (4)

وهذا شرط آخر لمعنى"في سبيل الله"ذلك أن يكون العمل خاضعًا لأحكام منهاج الله .

فإذا كان بعض المسلمين جاهلين لأَحكام منهاج الله ، فإِنهم يُقبلون على أعمال تدفعهم إليها العاطفة ، ويحسبون أن قصدهم"نبيل"ويريدون"الخير"، ويطلقون من التعبيرات ما يخفون به جهلهم أو انحرافهم ، ويحسبون بعد ذلك أنهم على شيء ، فإذا عملهم باطل مردود عليهم ما دام غير خاضع لأحكام منهاج الله .

من هذا كله ، ومن الآيات والأحاديث حين نتدبرها كلها نجد أن المعنى الرئيس لكلمة"في سبيل الله"هو منهج ودرب ممتد من الدنيا إلى الآخرة . ولا يصحّ استخدام كلمة"سبيل"أو"في سبيل"إلا لتدلّ على هذا الدرب الممتد والنهج المتماسك ، ليرتبط العمل الواحد مع ما قبله ، ومع ما بعده ، ارتباط نيّة وارتباط درب وهدف . وانظر إلى هذه الآية الكريمة:

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف: 108 ]

نعم ! هذه سبيلي ..."أدعو إلى الله .."،".. على بصيرة .."،"وسبحان الله ...""وما أنا من المشركين"كل واحدة من هذه القواعد ضرورة لتحقيق معنى في"سبيل الله"، حتى تتضح صورة الدرب الممتد والنهج المترابط . ويأتي التعبير"... أنا ومن اتبعني"ليقرر شرطًا آخر: وهو أنه درب لا يختلف عليه المؤمنون ، ويمضون عليه في سبيل الله ، لا في سبيل شيء آخر ، أمة واحدة تتبع ما أُنْزِل من عند الله وما بلَّغهم إِياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في إنابة وخضوع وخشوع . إنه درب حق ونهج حق ، ينطلق من نقطة واحدة على صراط مستقيم إلى غاية محدَّدة هي الدار الآخرة . فكيف يختلف المؤمنون الصادقون ، والمنطلق واحد ، والدرب واحد ، والغاية واحدة ؟ ! إنه في سبيل الله ! فكيف يختلف المؤمنون الصادقون إِلا إذا اختلفت النيّة واضطربت ، أو اختلف العلم بمنهاج الله واضطرب ، أو تاهت الأهداف وتشعبَّت !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت