... خطبة العيد ألقاها: الأستاذ الشيخ الطيب برغوث
مقاصد العيد: إن عيد الأضحى المبارك، بما يحمله من معاني عقدية وروحية وأخلاقية واجتماعية وتاريخية وإنسانية متكاملة، جعله الله تعالى مناسبة سنوية خالدة، ليراجع فيها المسلمون أنفسهم، ويتوبوا إلى الله من ذنوبهم وأخطائهم، ويصلحوا ما اختل من العلاقات فيما بينهم، ويجددوا صلتهم بسنن الله في الحياة، ليمضوا على طريق العبودية الصحيحة لله تعالى، التي هي وظيفة الإنسان في هذه الحياة. كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56) .
كيف يفقد العيد معناه؟ فإذا لم يحقق المسلمون هذه المقاصد في عيدهم، فإن عيدهم يفقد معناه، ويتحول إلى مجرد عادة اجتماعية متكررة، خالية من أية روح أو تأثير على حياتهم. وهذا لا شك يعد نقمة عظيمة يسلب بها الله تعالى البركة من حياة المسلم، وهو أمر ملحوظ مع الأسف الشديد، إذ كم الأعياد مرت علينا وعلى مجتمعاتنا وأمتنا ولم ننتفع بها كثيرا، كما تدل على ذلك أحوالنا بضعفها واضطرابها. فلنحاول تحقيق معاني العيد ومقاصده في حياتنا، حتى نحوله إلى نعمة تزرع البركة والسعادة في حياتنا.
إن الإسلام يعطينا من بركاته، ويفيض علينا من مصادر القوة فيه، بقدر عمق قربنا منه؛ فهما وتمثُّلا، ويشح علينا بذلك بقدر ابتعاد فهمنا وتمثلنا الذاتي له، عن حقائقه ومقاصده ومناهجه
كيف نحقق مقاصد العيد في حياتنا؟ وتحقيق مقاصد العيد في حياتنا، تبدأ من مراجعة أوضاعنا مع الله، ومع أنفسنا، ومع خلق الله. وفقا لسنة الله المطردة في التغيير والإصلاح والتجديد، التي علمنا إياها في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ( الرعد: 11 ) . ومدخل هذه المراجعة يكون عبر مراجعة علاقاتنا بالإسلام، لأن الإسلام هو المنهج الذي ارتضاه الله تعالى للبشر ليحققوا من خلاله عبوديتهم الحقة له سبحانه، وينجزوا خلافتهم في الأرض، ويهيئوا أنفسهم لمراحل الحياة الأخروية التي تنتهي بالمؤمنين إلى الخلود في الجنة، وبغير المؤمنين إلى مصائب لا يعلم بشاعتها إلى الله سبحانه وتعالى. كما قال سبحانه: {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19) وقال كذلك: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران: 85) .
فالإسلام هو الذي يعرفنا بالله ويبعدنا عن الشرك به، وهو الذي يعرفنا بأنفسنا ووظيفتنا في الوجود، وبمصيرنا بعد الموت، وبحقوقنا في الدنيا والآخرة، وهو الذي ينقذنا من دوامات القلق العقدي والعبثية الوجودية، وهو الذي يعرفنا بعلاقاتنا بغيرنا من المخلوقات، ويحدد سلطاننا علينا، وسلطانها علينا.. فإذا اضطربت معرفتنا بالإسلام اضطربت تبعا لذلك علاقاتنا بكل شيء في الحياة.
ماذا يمثل الإسلام بالنسبة للمسلم؟ فالإسلام إذن هو المنهج الأكثر كفاءة وقدرة لتحقيق عبودية الإنسان لله تعالى في الأرض، ومن ثم إنسانية الإنسان، على اعتبار أن إنسانية الإنسان في أبعادها الشمولية المتكاملة، لا تتحقق إلا عبر العبودية لله تعالى، فالإنسان يكون إنسانا بقدر ما يكون عبدا لله، لأنه بقدر ما يكون عبدا لله، بقدر ما تكتمل حريته، وبقدر ما تكتمل حريته تتحدد مسئوليته ومن ثم فاعليته في الحياة. والعكس صحيح، فإن الإنسان بقدر ما تنتقص عبوديته لله بقدر ما تسلب منه حريته، وتتبعثر إرادته، وتتشتت مسئوليته، وتتضاءل فاعليته الاجتماعية، وهو ما نبه عليه القرآن في مثل قوله تعالى: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} (الحج: 31) .
والإسلام بمنطقه التوحيدي، وبمنهجيته التربوية والاجتماعية التكاملية، يشكل فعلا المنهج الأكفأ والأقدر على استنقاذ الإنسان من أخطار الشرك العقدي، وعذابات التمزق النفسي، ومحن الفسوق الاجتماعي، وفتن الدجل السياسي. وبهذا فهو يمثل بحق الثروة الأكثر أهمية في حياة الإنسان على الإطلاق، بقدر ما يتمكن من معرفتها واستثمارها جيدا، بقدر ما يحقق عبوديته وإنسانيته وسعادته الدنيوية والأخروية. قال تعالى: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه نَسلكه عذابا صعدا} (الجن: 16، 17) .
كيف نحقق المراجعة الصحيحة لأنفسنا في هذا العيد؟ ومن هنا فإن المراجعة الجدية الصحيحة لأنفسنا في هذا العيد، تبدأ من مراجعة علاقاتنا بالإسلام، من خلال استعراض موقفنا الحياتي العملي من حقوقه السبعة على كل واحد منا. فليعرض كل منا نفسه على هذه الحقوق السبعة، ثم يقرر بنفسه أين هو من الإسلام؟ وأين الإسلام منه؟ وماذا عليه أن يفعل لكي يستدرك أو يعمق ليمضي قدما على طريق العبودية الممتعة لله تعالى.