فهرس الكتاب

الصفحة 6611 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

1ـ تمهيد:

إن أخطر القضايا التي ثارت في تاريخ الإنسان قضية الحرّية . إنها قضيّة أثارت المفكرين والفلاسفة والأدباء والعلماء ، حتى ادعى كل فريق لها نماذج ومحتوى . وأثارت الشعوب حتى خاضوا من أجلها ثورات وحروبًا ، وزعزعت نظمًا حتى تهاوت أمام زحوف المظلومين . إنها قضية تملأ التاريخ بالأحداث والنظريات والصراع المستمر .

ولقد رأينا في الصفحات السابقة كيف تغنّى"فوكوياما"بالحرّية المزيفة من خلال أهواء الفلاسفة ومن يسمّون بالمفكرين ، ومن خلال المصالح المادية الهائجة ، من خلال المظالم والعدوان والجرائم ، من خلال الكفر الصريح والإلحاد .

ورأينا كذلك أوروبا كيف مارست"حرّيتها المعتدية الظالمة"في التخطيط لتقسيم الدولة العثمانية المسلمة خلال أكثر من ستمائة سنة وضعت فيها أكثر من مائة مشروع ، حتى ارتكبت أعظم جريمة في حق البشرية حين أسقطت خلافة الإسلام .

ورأينا نيكسون يتحدث عن الحرية في كتبه الثلاثة ، لا يفهمها إلا من خلال مصلحة أمريكا وحدها ، ومن خلال توفير الفرصة لزعامة أمريكا للعالم ، ومن خلال الديمقراطية التي أقامت ألف ميزان للعدل وللحرية، تتبدّل الموازين مع تبدل الهواء والمصالح .

ولقد رأينا كله واضحًا جليا فيما عرضناه ، لندرك حقيقة الواقع غير المسلم الذي يحتاج بعض المسلمين أن يتعاملوا معه .

لذلك أصبح من الضروري أن يعرف المسلم ميزان الحرية في دينه ، ويدرك عظمة الحرية الصادقة العادلة التي يدعو بها الإسلام ، والتي يجاهد من أجلها المسلمون جهادًا في سبيل الله . فلا ينخدع المسلم بالزخارف الكاذبة ، ولا ينزلق إلى الفتنة المهلكة ، وليعرف مسؤولياته وواجباته التي سيحاسَب عليها يوم القيامة ، يوم لا ينفع غرب ولا شرق ، ولا زخرف ولا زينة ، ولا يُغني مولى عن مولى شيئًا .

إن قضية الحرية وأهميتها تبرز حين ندرك ارتباط قضايا كثيرة في حياة الإنسان بها ، أو ارتباطها بقضايا أخرى كثيرة . إنها ترتبط بمعنى العدالة وبممارستها ، وترتبط بمعنى المساواة وحدودها ، وترتبط بالأمن معنى وتطبيقا ، وترتبط بالإخاء وتصوره وقواعده .

كل هذه الكلمات لا تصلح في حياة الإنسان إذا كانت متفلتة من القيود . إن الحرية المتفلتة هي حرية الأهواء والشهوات ، وحرية الوحوش والذئاب . إنها الفتنة الواسعة في الأرض ، الفتنة التي لا يمكن أن يقوم بها عدالة ولا مساواة ولا إخاء ولا أمن . كل كلمة من هذه الكلمات لا تصدق في ميدان الممارسة إلا إذا عُرفت أسسها وقواعدها وحدودها . كيف تقوم المساواة إذا لم يكن لها حدود وضوابط من الحقوق والمسؤوليات ، والوسع والطاقة ، والالتزام والحساب . وكيف تقوم هذه أو تلك إذا لم تكن كلها مترابطة في نهج واضح جلي متماسك .

هذه ناحية واحدة من نواحي عظمة الإسلام وتفرّده عن جميع المناهج البشرية . إنه منهاج رباني جاء من عند الله رب العالمين ، خالق الإنسان وخالق كل شئ ، يعلم ما يحتاج خلقه وما يصلح حياتهم في الدنيا وما ينجيهم في الآخرة .

ولا نستطيع هنا إلا نعطي لمحات عن الحرية في ميزان الإسلام وقبسات من منهاج الله ، مع أمثلة سريعة من فساد الحرية لدى المناهج البشرية الأُخرى .

2ـ الحرّية والثورات التي قامت من أجلها:

لقد كانت دعوى الحرّية من أهم شعارات الثورة الفرنسية . وارتبطت دعواها بشعارين آخرين هما الإخاء والمساواة . ولكنّ الثورة الفرنسية لم تعرف الحرية ولا الإخاء ولا المساواة ، ولا قدّمت من ذلك شيئًا غير الشعار تهتف به الحناجر وتُحفَر به النُّصب والأَحجار ، ثمَّ تُرتكب أَبشع المظالم ، فتتناثر الجماجم تحت المقاصل ، وتتطاير الأَشلاء عَبَثَ الظالمين ، وتدور أَوسع جرائم الأَرض ، ويُطوَى ذلك تحت أَستار الدعاية الزّاهية والسلطة القاهرة . وتُطوى معه الشعارات التي نادى بها فولتير ( 1694ـ1778م ) وجان جاك روسو ( 1712ـ 1778م ) والتي مهّدت لقيام الثورة الفرنسية . وتُطوى بين أمواج الجريمة القيمُ التي بنتها النبوّة في تاريخ الإنسان الطويل .

وثورات أُخرى كثيرة قامت لتصارع من أجل صورة الحرّية التي توهمتها ، وتعاقبت الثورات في تاريخ الإنسان حتى يومنا هذا . ولكن الإنسان في الأرض اليوم ما زال يفقد الحرية الحقيقية وما زال يجاهد من أجلها .

لقد فشلت معظم هذه الجهود لأَنها لم تطلب الحرّية بصورتها المتكاملة ، وميزانها العادل ، فاضطربت المقاييس وامتد الصراع ، وربما استبدلت بها المظلم والظلام . أين الحرّية اليوم في الأرض ، إلا حرية الجنس المتفلت ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت