فهرس الكتاب

الصفحة 12448 من 27345

قد تتباعد الأجسامُ ، وتتقارب القلوبُ والعقولُ . وقد يكون عكسَ ذلك ؛ فتتقارب الأجسامُ ، وتتباعد القلوبُ والعقولُ . وقد يجتمع الأمران ؛ فتتقارب الأجسامُ والقلوبُ والعقولُ معًا . تقاربُ الأجسامِ قد يكون حسّيًا ، وقد يكون معنويًّا ، وقد يكون حسيًّا ومعنويًّا معًا. فالحسيُّ أن ترى شخصين جالسين أو قائمين أو نائمين قريبًا أحدُهما من الآخر بإرادة أو بغير إرادة . والمعنويُّ أن تكون بين شخصين قرابةٌ قريبةٌ أو بعيدةٌ؛ فمهما كانا في مكانين مختلفين بعيدٍ أحدُهما عن الآخر قليلًا أو كثيرًا؛ ولكنّهما قريبٌ أحدهما من الآخر قربًا لايزول مهما أنكر أحدُهما أو كلاهُما أنه ليس أحدهما قريبًا إلى صاحبه . فالأبُ - مثلًا - مهما صَرَّحَ بأن ولَده ليس ولدًا له ، فإنّ ولديّتَه له لن تزول في واقع الأمر .

والعقولُ والقلوبُ تتقارب باتّحاد الفكر وتجانسه، سواء أكان الفكر عقديًّا دينيًّا، أو حزبيًّا جماعيًّا، أو وطنيًّا، أو قوميًّا، أوسياسيًّا، أو موقفيًّا، أو وظيفيًّا، أو لغويًّا. وقد تجتمع أنواع الفكر هذه كلُّها وغيرُها؛ ولكنها كثيرًا ما - بل في الأغلب - تنفرد. وأقوى أنواع التقارب العقلي القلبي يتحقّق لدى الاتحاد والتجانس العقدي الدينيّ؛ لأنه أقوى أنواع الأواصر؛ حيث لم يعرف الإنسان آصرةً أمتنَ وأفعلَ وأجملَ من هذه الآصرة النزيهة الطيّبة، الحبيبة المقدسة، الدائمة الحضور، القوية المفعول، المثمرة في كل فصل، المخضرّة على كل حال، النامية رغم مناوأة الطقوس، وشحّ المطر، ونبوّ المناخ.

شخصان مُتَّحِدان في العقيدة والدين - ولو كان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب - يشعران كأنهمان قريبان متصلان. فلو اجتمع الاتحاد في الدين والعقيدة مع الاتحاد في العواطف والمشاعر، يشعر الشخصان كأن أحدهما حالّ في صاحبه، وكأن قلبه يخفق بما يخفق به قلب الآخر، وكأنه يرى مايراه، ويتوصّل إلى ما يتوصّل إليه، ويفكّر نفسَ التفكير الذي يفكّره هو، وكأنهما شخص واحد متمثّل في قالبين .

وعلى عكس ذلك شخصان متقاربان مُتَّصِلان جسمًا يتباعدان تباعدَ السماء والأرض، إذا اختلفا عقيدةً ودينًا وعاطفةً وشعورًا. يرى الناظرُ أن أحدَهما جالسٌ إلى الآخر أو ساكن أحدُهما مع الآخر في مكان واحد، في غرفة واحدة أو بيت واحد؛ أو تجمعهما قرابةٌ وشيجةٌ أو آصرةٌ مُتَشَابِكَةٌ؛ ولكنهما يختلفان فكرًا؛ فيتباعدان عقلًا، وينفصلان قلبًا، ويستوحشان ذهنًا.

كثيرًا ما يحدث أن المرأ يساكن غيرَه دهرًا، أو يجاوره، أو يزامله في العمل، أو يشاركه في التجارة أو الصناعة؛ حتى يعاشره ويؤاكله ويشاربه، ويشاطره كثيرًا من الاهتمامات والهوايات؛ ولكنّه يظلّ بعيدًا عنه بفكره المغاير لفكره، ودينه المعارض لدينه، وعقيدته المخالفة لعقيدته، وعواطفه التي لاتلتقي مع عواطفه على طول الخطّ وعرضه، وسلوكه العام في الحياة الذي لاينسجم مع سلوكه بشكل. شخصٌ بجنب شخص وجسمٌ يلاصق جسمًا قد يمكن - بل كثيرًا ما يحدث - أن يفكّر القلبُ الذي يحمله صدرُه بغير الذي يفكّر فيه القلبُ الذي يحمله صدرالآخر فهذا يفكّر في الخير، وهذا يفكّر في الشرّ؛ وهذا يفكر في شخصه ومصالحه المحدودة، وهذا يفكّر في الفساد والإفساد؛ وهكذا .

فالقرب الجسماني المجرد لايغني غَنَاءً إذا لم يقارنِ بشكل القربَ الروحاني؛ ولكن القرب الروحاني المجرّد من القرب الجسماني بمستطاعه أن يعطي مفعولَه كاملًا. أما إذا اجتمع القربانِ فيزداد فعلُه - القرب الروحاني - ويقوى أداؤه، ويكثر نشاطه.

قد يجوز أن يُوْلَدَ جسمان على فراش واحد وينموان عليه؛ بل قد يجوز أن يولدان من أب وأمّ، ويختلفان فكرًا وعقيدةً ومنهجَ حياة. وقد سبق أن تَرَبَّى المُوَحِّد الداعي إلى التوحيد على عين المدّعي الأكبر للألوهية: تَرَبَّى سيدنا موسى في قصر فرعون وعلى نفقاته ورعايته وعنايته. وسبق أن تَرَبَّى الولد المُوَحِّد على فراش الوالد المشرك الصانع البائع للأصنام: تَرَبَّى سيدنا إبراهيم الثائر الأكبر على الوثنيّة الكاسر الأكبر للأصنام على فراش أبيه آزر. كم كانتِ المسافة بين العقليتين؛ وكم كان البعد بين التفكيرين؟ .

الاتّحادُ الفكريُّ الدينيُّ العقديُّ العاطفيُّ أفعلُ الاتّحادات التي يمكن أن تتحقق بين إنسان وآخر. وبكلمة أخرى: النسبُ الدينيُّ أقوى من النسب الطينيّ، والأوّلُ حالاًّ في الآخر يكون أنفعَ وأحسنَ ما يكون. والثاني مُجَرَّدًا من الأوّل لاينفع إلاّ قليلًا، وبشروط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت