الأحاديث الجامعة د. محمد عمر دولة*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولِ الله الأمين، وعلى آلِه وصَحبِه أجمعين. وبعد، فإنَّ في السُّنةِ النبويةِ الشريفةِ أحاديثَ جوامِعَ وغُرَرًا فَرائد؛ جَمعَتْ فأوْعَت؛ إذْ خُصَّ نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم بِجَوامِعِ الكَلِم وبِدائعِ الحِكم كما أُوتِيَ خزائنَ العلمِ وروائعَ الأخلاقِ والآداب والقِيَم. فقد قال صلى الله عليه وسلم عن نفسِه الشريفة: (فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطِيتُ جَوامعَ الكلمِ، [1] ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وأُحلَّتْ لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرضُ طَهُورًا ومسجدًا، وأٌرسِلْتُ إلى الخلقِ كافةً، وخُتم بي النبيون) . [2] وفي رواية: (بُعثتُ بِجوامِعِ الكَلمِ، [3] ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وبينا أنا نائم أُتِيتَ بِمفاتيحِ خَزائنِ الأرضِ؛ فوُضِعَتْ بين يَدَيَّ) . [4] قال المناوي رحمه الله:"أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِم: أي مَلكةً أقتدرُ بها على إيجازِ اللفظِ مع سعةِ المعنَى بنظمٍ لطيفٍ لا تعقيدَ فيه يعثر الفكرُ في طلبِه، ولا التواء يَحارُ الذهنُ في فهمِه؛ فما مِن لفظةٍ يسبقُ فهمُها إلى الذهنِ إلا ومعناها أسبق إليه". [5]
وقد اعتنَتْ هذه الأحاديثُ الجوامِعُ بأصُولِ الإسلامِ وقواعدِ الدِّينِ وأركانِ الإيمان؛ حتى جَمعَ منها النووي رحمه الله أربعين حديثًا، قال في شأنها:"قد صنَّفَ العلماءُ رحمهم الله في هذا الباب ما لا يُحصَى من المصنَّفات, فأولُ مَن عَلِمتُه صنَّفَ فيه عبد الله بن المبارك, ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرّباني ثم الحسن بن سفيان النّسوي وأبو بكر الآجُرّي وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني والدارقطني والحاكم وأبو نُعيم وأبو عبد الرحمن السّلمي وأبو سعيد الماليني وأبو عثمان الصابوني وعبد الله بن محمد الأنصاري وأبو بكر البيهقي, وخلائق لا يُحْصَون من المتقدِّمين والمتأخرّين. [6] وقد استخرت الله في جمع أربعين حديثًا اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام وحُفاظ الإسلام". وقد راعى رحمه الله الأحاديثَ القواعدَ الجوامع، فقال رحمه الله:"مِن العلماء مَن جَمعَ الأربعين في أصُولِ الدين, وبعضُهم في الفُروع, وبعضُهم في الجهادِ، وبعضُهم في الزهدِ، وبعضُهم في الآداب وبعضهم في الخطب, وكلها مقاصدُ صالحة رضي الله عن قاصِدِيها. وقد رأيتُ جَمْعَ أربعين أهمَّ مِن هذا كلِّه, وهي أربعون حديثًا مُشتملةٌ على جميع ذلك. وكلُّ حديثٍ منها قاعِدةٌ عظيمةٌ مِن قواعدِ الدين, وقد وَصَفَه العلماء بأنَّ مَدارَ الإسلام عليه، أو هو نِصفُ الإسلام أو ثُلثُه أو نحو ذلك". [7]
ومن هذه الأحاديثِ الجوامِع: التي وَصفَها العلماءُ بأنَّ مدار الإسلام عليها، أو أنها أصولُ الأحاديثِ أو أصولُ الدين أو أصولُ السُّنن: حديثُ (الأعمال بالنيات) ، و (الحلال بّيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ) ، و (مَنْ أحْدثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ) ...
وقال ابن رجب رحمه الله في كلامِه عن حديث (الأعمال بالنيات) :"هذا الحديثُ أحدُ الأحاديثِ التي يدور الدِّينُ عليها؛ فروى عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث ثلثُ العِلم، ويدخل في سبعين بابًا مِن الفقه، وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال: أصولُ الإسلامِ على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: (إنَّما الأعمالُ بالنيات) ، وحديث عائشة: (مَن أحْدثَ في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ) ، وحديث النعمان بن بشير: (الحلالُ بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ) . وقال الحاكم: حدثونا عن عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام: (الأعمال بالنيات) ، وقوله: (إنَّ خلقَ أحدِكم يجمع في بطنِ أمه أربعين يوما) ، وقوله: (مَن أحدَثَ في دينِنا ما ليس منه؛ فهو رَدٌّ) ؛ فقال: ينبغي أن يبتدأ بهذه الأحاديثِ في كلِّ تصنيفٍ؛ فإنها أصُولُ الأحاديثِ. وعن إسحاق بن راهويه قال: أربعة أحاديث هي من أصُولِ الدين: حديث عمر: (إنَّما الأعمالُ بالنيات) ، وحديث: (الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ) ، وحديث: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما) ، وحديث (من صنع في أمرنا شيئا ما ليس منه فهو رد) ، وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميعَ أمرِ الآخرةِ في كلمةٍ واحدة: (مَن أحدثَ في أمرِنا ما ليس منه؛ فهو ردٌّ) ، وجَمعَ أمرَ الدنيا كلَّه في كلمةٍ واحدة: (إنَّما الأعمالُ بالنيات) ؛ يدخلان في كل باب" [8] .