عبد الرحمن بن خلف العبود 28/1/1426
يلحظ المراقبون تسارع إيقاع الأحداث حولنا سواء كانت على مستوى المجتمع المحلي أو الدولي، بمختلف نواحيه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا التسارع يفرض على المجتمعات الصغيرة الذوبان في فلك القوى الكبرى نتيجة عدم القدرة على مجارات الأحداث بمختلف أنماطها. مع الإشارة إلى أنه في زمن مضى كان فرض الوصاية على المجتمعات الأخرى بالاستعمار العسكري فقط. الذي نتج عنه المقاومة الشرسة للمحتلّ الأجنبي.
أما في الآونة الأخيرة فإن هناك نوعًا آخر من فرض الوصاية بمختلف مجالاتها - الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية- ودون الاكتفاء بالاستعمار العسكري، بل يصل الحد إلى فرض نموذج معين لتطبيقه على تلك المجتمعات، قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملّتهم) .
هذه التحوّلات العالمية المتسارعة، التي تهدف غالبًا إلى خلخلة الفكر وزعزعة البنية الثقافية والقيم الإسلامية، وجعلها تتأرجح في فضاء الحيرة والشك للوصول إلى إضعاف الهوية الإسلامية ومسخها. مما يترتب عليه قبول أي مشروع جديد بالنمط الغربي دون أيّ مقاومة، بل ربما بالترحيب من أبناء المجتمعات الإسلامية.
إن الاغتصاب الفكري نوع من فرض الوصاية الثقافية على المجتمعات الإسلامية. لذا لا غرابة أن ترى من أبناء المسلمين من يساهم في تقديم النظريات والأطروحات المخالفة للشريعة، علمًا أن المنتج الفكري يحمل القبّعة الغربيّة!!
إن ثقافة التحوّل تتطلّب منّا إدراك أهداف ومفاهيم التحوّلات المتسارعة، وأثرها على واقعنا المعاصر. ودراستها الدراسة المتأنّية لتقديم رؤية واضحة لأبناء المسلمين للتعامل مع تلك التحولات وإفرازاتها، ورصد تلك الظاهرة وإيجاد الأفكار العملية لمواجهتها.
إن من أعظم المشاريع لمواجهة تلك التحوّلات المتسارعة إبراز القيم والمفاهيم الإسلامية النبيلة، وتعزيز الانتماء إلى الهوية الإسلامية وتقديمها على أنها النموذج الأمثل للحياة. وعلى قادة الفكر الإسلامي والدّعاة إلى الله نشر تلك القيم الإسلامية السامية ذات المنهج الوسط. والفصل بين تلك القيم العالية والأخطاء التي تقع من بعض المسلمين، وإيضاح أن الممارسة الخاطئة في الحياة من بعض الأفراد لا تمثّل القيم الشرعية بل تمثل الإنسان نفسه.
إن الانهماك في المشاريع الدعويّة بمختلف مجالاتها، مع التنوّع في الأساليب والطرق ومواكبة المستجدات العالمية والاستفادة من التقنية الحديثة وتطويعها لخدمة هذا الدين- نوع من الحفاظ على أبناء المسلمين والهوية الإسلامية الخالدة. إضافة إلى تقديم الدعوة بصورة سليمة مؤثّرة، مع البعد عن المشاحنات التي تعرقل المسيرة الدعويّة، وتزيد الشقاق بين أفراد المجتمع، يقول الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ويقول سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) . والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.