إنَّ أُمَّةً أُخْضِعَتْ للعسف والهوان أمدًا طويلًا حتى رضخت واستكانت لفي حاجة إلى قلب كبير يسع العالم كُلَّه، وإلى قلمٍ جبَّار يشعل في سماء الأمة بُروقَ العزة والتمرد على أي نوع من أنواع الاستكانة الروحية والإذلال النفسي. ففي الوقت الذي يُشعِل مثل هذه البروق ويحدث مثل هذه الرعود في وجدان الأمة، يعود ليفجر ماء السماء فوق ألْسِنَةِ اللهب الذي يكاد يحرق أخضر العالم ويابسه.
لقد أرسى العَالَمُ بنفسه أساس دماره عندما تنكر لله، ونأى بجانبه عنه، وها هو الآن يقاسي من أجل ذلك أهوالًا عظيمة من الآلام، ولا ينفك يزرع في الأرض مظالم فظيعة تغرق البشرية بالمزيد من الدماء والدموع والآلام. ففي رأس هذا العالم وفي قلبه روح الموت والخراب، وجحيم فوَّار بكل أنواع العذاب.
العقل الأرقى، والقلب الأذكى، والنفس الأصفى، هذا ما نلمسه كلما قرأنا شيئًا من نتاج قلم الشيخ فتح الله كولن.
ووحدة كيان، وجوهرية إنسان، وخفقات أكوان، تطفر من كلمات هذا الكتاب، وتنساب بين السطور كالماء الرائق العذب الذي هو منبت كلّ ظامئ في كل وقت. إنه هنا روح خِصْبٌ فيَّاض يرتاد باشتياق مجاهيل النفس والكون والتاريخ.
إنه يكتب ليوقد من جديد شعلة الأمة الخابية، ويثير الرغبة في الحياة الحرة الكريمة، وهو يحذر من هذا المزيد من الانحطاطات التاريخية التي تتردَّى فيها الأمة يومًا بعد يوم، ويشير إلى هذه الفوضى في الفكر والعقيدة والحياة، ويدعونا إلى شيء من النظام والتماسك الفكري والروحي، ويتساءل متألمًا: لماذا نعاني نزع الاحتضار بينما إكسير الحياة لا زال يتدفق بقوة من الإيمان والقرآن..؟ وهذه الأيام لماذا لا تسقينا إلاَّ الصَّابَ والعلقم، ولا تهدينا إلاَّ الفاجع والمأساوي من القهر والعذاب...؟ ولماذا فقدنا حِدَّة البصر والبصيرة ولم نعد نبصر ما عندنا من كنوز المعرفة حتى عدنا نتسكع على أرصفة الثقافات التافهة، ونستجدي فُتَاتَ الأفكار، وعَفَنَ السلوكيات...؟ مَنْ يمسح عنَّا هذا الهمَّ النَّاصب المرتسم على وجوهنا...؟ ولماذا نلوذ بأهداب الصمت في هذا الضجيج من الأصوات المعادية دون أنْ نقوى على أنْ ننبس ببنت شفة...؟ أين ضمائرنا، لماذا لم تعد تُبكِّتُنا أقلَّ تبكيت..؟
إنَّ الجدب العقلي والروحي هو أصعب على الأمة احتمالًا من أقسى وأفظع أيِّ عذاب جسماني رهيب.
والسؤال الملح الذي يفرض نفسه هنا، هو:
كيف يمكن للمسلم المعاصر أن يعود ليقف على قدمين راسختين في مواجهة هذا العالم المخيف الذي يكاد يأكله أكلًا ويحرقه حيًا...؟ وما هي مواصفاته...؟ وكيف نستطيع انتشاله من وهدته أولًا ثم دفعه إلى قمّة البطولة والتحدي ثانيًا...؟
يجيب الشيخ فيقول: إنه - أي هذا المسلم المرتقب-"بطل قد حفرتْ الآلام أخاديد على وجهه، عينه دامعة، صدره ملتاع، ضميره يقظ، قد جمع في نفسه روح التكية وأصالتها ومنطق المدرسة ومحاكماتها العقلية، ونظام المعسكر وطاعته، ويقدم لنا بكل هذا كمال نفسه وعلو همته".
والشيخ يرغب في أن يرى المسلم وهو كشعلة من نور لا تخبو أبدًا، مَنْ ينظر إليه يحسبه إنسانًا قد انشقَّتْ عنه أحشاء الحياة آنفًا، ولا زال ماء الحياة النقي يقطر من جنباته ولم يجف بعد عليه، مُحَصَّنٌ ضِدَّ عَدْوَى العصر، وسيع القلب، رحيم الفؤاد، يجثو على ركبتيه إشفاقًا أمام فواجع البشرية وآلامها، ولا يفتأ يتساءل فيما إذا كان الضمير البشري قد أصيب بداء السكتة، فلم يعد قادرًا على أن ينبس ببنت شفة احتجاجًا على سقوط العالم بين يدي القوى الغاشمة التي تنهش قلبه، وتدمي روحه، وهل كُتب على الإنسان أن يعاني الآلام قبل أن يقوى على استرداد روحه التائهة، وهل مكتوبٌ على شبيبتنا المثقفة أن يصيبها العفن لعجزها عن تجديد نفسها، والخروج من شرنقة أفكارها والإنفتاح على عالم الإيمان الجديد الذي أنشأته أقلام حُرَّةٌ من نسيج يجمع بين العقل والقلب، وبين الروح والعلم، وهل شلل هذه الزمر شلل عقلي دائم لا يريم، أو أنه شلل موقت يمكن أن تتعافى منه في أي وقت.
وأين مِنَّا تلك الصرخات اليائسة، والأنين المفزع الذي يملأ أجواء السماء من أمتنا المُسَجَّاةِ على سرير الموت، وأين هم فتيان الحياة الشاربون من إكسير حياة الأبد لينفخوا فيها الحياة من جديد، وليشتروا كلَّ آلامها بحبهم الجارف العميق.
ألم يكفنا ما عانينا من شقاء لكي تتطهر قلوبنا -كما يرى الشيخ- وتؤوب إلى بارئها، مليئة بالتقوى، ومفعمة بالحب والإيمان، مَنْ يَمْحَضُنَا الودَّ غير الودود!. مَنْ يمسح جروحنا غير يده الآسية!. مَنْ يرحمنا في عالم قد جفت فيه ينابيع الرحمة غير الرحمن الرحيم!. مَنْ يأخذ بِأيدينا في تيه الوجود غير خالق الوجود!. مَنْ ينهضنا من عثرتنا غير مقيل العثرات!. ومَنْ يجبر كسرنا غير جابر الكسور!. ومَنْ يعيدنا إلى تاريخ العالم الذي خرجنا منه إلاَّ ربُّ الأزمان ومحرك العوالم!...