فهرس الكتاب

الصفحة 4007 من 27345

تمهيد

كانت النظرة - لبعض الطوائف المنحرفة - للجن قائمة على تصورات فاسدة، فمن قائل: إن الجن شركاء لله في الخلق والتدبير0 ومن قائل: إن إبليس مع جنده يمثلون الشر في جهة، ويحاربون الله وملائكته في جهة أخرى. وكان الاعتقاد السائد أن الجن يعلمون الغيب، وذلك بما كانوا يلقونه إلى الكهان عندما كانوا يسترقون أخبار السماء، فيزيد الكهان على الكلمة من الحق مائة كذبة كما ورد في الحديث، فيصدق الناس ذلك0

وكانوا يتصورون أن للجن سلطانا في الأرض، إلى غير ذلك من هذه التصورات المنحرفة الجائرة0هذه التصورات المختلفة عن الجن كان لها تأثير على تفكير وسلوك هؤلاء الناس وأعمالهم وإرادتهم كما أخبرنا القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) ، ( سورة الجن - الآية 6 ) 0

ومن خلال أقوال أهل العلم في تفسير هذه الآية، يتضح أنه كان للجن تأثير على سلوك مشركي العرب، حيث كان أحدهم يعوذ بالجن عند المخاوف والأفزاع، وأثر ذلك على عقائدهم من حيث التوجه إلى عبادة الجن والذبح لهم، محاولين استرضائهم بأي شكل من الأشكال، ولا يخفى أن التوجه بالعبادة والتعظيم لغير الله من سائر الخلق فساد أي فساد في السلوك ! ناشئ عن فساد التصور والاعتقاد الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه لإنقاذ البشرية من مغبته، بتصحيح تصوراتهم وتقويم سلوكهم، بما بينوه من أن الله هو خالق الجن والإنس وسائر الموجودات، وأنهم يستوون جميعا في عدم قدرتهم على تغيير سنة من سنن الله سبحانه وتعالى التي وضعها في هذا الكون، وأنهم جميعا واقعون تحت سلطان الله وقهره، وأن التوجه لغيره سبحانه بعبادة أو تعظيم شرك كبير، يستحق فاعله الخلود في النار.

ونتيجة لتلك العلاقة القائمة بين الإنس والجن منذ أمد بعيد، كانت الاستعانة. والمتأمل للكلام السابق يرى أن العلاقة التي تقوم بين الطرفين بمجملها لا تأتي بخير؛ وذلك لقيام هذه العلاقة بين عالم محسوس وآخر غيبي لا نعرف كنهه ولا طبيعته إلا ما أخبر به الحق جل وعلا في محكم كتابه أو قررته السنة المطهرة، فالإسلام حدد السلوك والعلاقة والتصور الكامل بين هاذين العالمين 0

وقد تكلم الكثير من عامة الناس وخاصتهم عن موضوع الاستعانة، فمنهم من أباحها، ومنهم من توقف عنها، ومنهم من لم يبحها وحذر منها وبين خطورتها 0 ولأهمية ذلك 000 كان لا بد من وقفة جادة نستعرض فيها التصور الكامل المبني على النصوص القرآنية والحديثية ومنهج السلف الصالح وأقوال أهل العلم قديما وحديثا، دون تحكيم عقل أو منطق، أو تحقيقا لأهواء أو نزوات أو شهوات، وبحث هذه المسألة ضمن الأطر الشرعية، ببصيرة وبينة، لكي يتسنى الوقوف على الحقيقة والطريق السوي المستقيم 0

وأبدأ بعرض بعض الآيات التي ذكرت علاقة الإنس بالجن وحقيقة هذه العلاقة بالمفهوم الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكره الصحابة والتابعون والسلف وعلماء الأمة وأئمتها - رضوان الله عليهم - أجمعين:-

علاقة الإنس بالجن كما بينها الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه:- …

1)- يقول تعالى:( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ

رَهَقًا )0 ( سورة الجن - الآية 6 ) 0

* أقوال أهل العلم في تفسير الآية الكريمة:-

أ - قال الطبري: ( قال حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله:( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ ) قال: كانوا في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي، فيقول الجنيون: تتعوذون بنا ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ! ) 0 ( جامع البيان في تأويل القرآن - 12 / 263 ) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت