* محمد جواد مغنية
(مَن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حظه، ووضعه في غير منزلته التي وضعه الله فيها حيث يقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.. لا يزال الرجل عالمًا ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل.. أعلم الناس مَن جمع علوم الناس إلى علمه) .
-حد العلم أن لا حد له:
من المستحيل على محمد (ص) أن ينظر هذه النظرة إلى العلم لولا الوحي: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا) الإسراء/ 85. إن عقل الانسان ينتقل من معلوم إلى مجهول، من شاهد إلى غائب. ولا مذياع وتلفاز ولا عقل إلكتروني وصعود على القمر ولا أي شيء، يوم قال هذا محمد (ص) يومئ من قريب أو بعيد إلى مكانة العلم وعظمته.
ولكن الذين يؤمنون بأن المادة هي الموجود الوحيد، يسخرون من هذه النظرة إلى العلم، ويرونها سفسطة (وكلامًا فارغًا) لأن العلم كله ـ بزعمهم ـ مسجون ومحصور بما تراه العين، وتلمسه اليد، ويشمه الأنف، ويقرع السمع، ويقع في الفم، ويخرج من البطن! .. أبدًا لا أسرار في طيات الكون ولا غرائز في أعماق النفس! أما حكم العقل فمجرد أحلام وأوهام!
ونسأل هؤلاء: هل يستند حكمكم هذا إلى العقل أو الحواس؟ فإن قالوا: إلى العقل، فقد ناقضوا أنفسهم وأبرموا ما نقضوا، وإن قالوا: إلى الحواس. كذبوا لأن وظيفة الحواس أن تشهد لا أن تحكم.
-زدني علمًا:
في الحديث الشريف: (أبى الله أن يجري الأمور إلى على أسبابها) وعليه يكون معنى قوله تعالى: (وقل ربي زدني علمًا) طه/ 114، أطلب العلم طول العمر، لأن العالم حقًا وصدقًا هو الذي يزداد علمًا على كر الأيام بالمتابعة والمراجعة، ومَن تراءى له أنه قد أتم، وبلغ من العلم الغاية والنهاية هرب منه إلى غير رجعة. وفي الجزء الثاني من العقد الفريد: أن قتادة قال: (ما سمعت شيئًا قط إلا وحفظته، ولا حفظت شيئًا قط فنسيته، ثم قال يا غلام هات نعلي. فقال: هو في رجليك. ففضحه الله.. وأيضًا قال قتادة: حفظت ما لم يحفظ حد ونسيت ما لم ينس أحد، حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي وأنا أريد أن أقطع ما تحت يدي فقطعت ما فوقها!)
وهكذا يُعمي الزهو والغرور صاحبه عن الواضحات حتى عن نعله ولحيته.
-العقول وأهل القبور:
قال السلفية: العلم حرام محرم إلا ما كان موروثًا عن السلف الصالح! ونجيب:
1 ـ إن الارتياب في العلم ارتياب في العقل، وهذا هو الخبل المحض وعين الجهالة والضلالة، قال سبحانه: (والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) الزمر/ 19، وقال الرسول الأعظم (ص) : (الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها.. أعلم الناس مَن جمع علوم الناس إلى علمه) . إلى كثير من أحاديث هذا الباب.
2 ـ لماذا شدّ العقول إلى أهل القبور؟ أحرصًا على الاسلام؟ وهل فيه ما يعارض العلم والعقل؟ وكيف ونبي الاسلام يقول: أصل ديني العقل وعلى هذا الأساس خاطب جميع الناس وكان خاتمة الأديان، وأيضًا على هذا الأساس قال الشيخ الأنصاري الكبير في كتابه المعروف بالرسائل، ما نصه بالحرف الواحد: (العقل شرع من الداخل، والشرع عقل من الخارج.. وكلما حصل القطع من دليل عقلي فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي، وإن وجد ما ظاهره المعارضة فلا بد من تأويله) .
3 ـ لقد تناول العلم الحديث كل جانب من جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، ولو حرمنا على أي انسان هذا العلم وثماره لوجب أن يُربط مع الدواب!
وبعد، فمن الضروري لكل عالم أو متعلم منا أن يلم بجملة من الاتجاهات والثقافة السائدة وبخاصة الغربية، فإنها تزيده، ولا شك تفهمًا لواقعه المعاصر، وتمسح من ذهنه العديد من الأخطاء. لأن الاطلاع على علوم الآخرين يساهم في نمو العقل وتطوره، ومَن أنكر أية فكرة من غير بحث وتمحيص لا لشيء إلا أنها مستوردة فقد خالف الكتاب والسنة من حيث لا يشعر.
لقد كتب القدامى عن الاسلام ونبيه، وأيضًا كتب عنهما الجديد الذين تغذوا بالثقافة الحديثة، فأين هذا من ذاك؟ هذا تحليل وتعليل لحقيقة الاسلام وكشف عن كنوزه وأسراره، وذاك مجرد سرد ورواية. وبكلمة إن وسيلة الإثبات عند الكثير من أولئك النقل، وهي عند هؤلاء الحس والنتائج العلمية.
وأخيرًا صدق مَن قال: كلما تقدم العلم زادنا فهمًا لمعاني كلمات الله تعالى.