فهرس الكتاب

الصفحة 23677 من 27345

رغداء محمّد أديب زيدان

تمهيد:

إذا سألنا أنفسنا عن معنى كلمة الحرية فإن معظم الإجابات ستكون من مثل:"الحرية عكس العبودية", أو"الحرية تعني أن يفعل الإنسان ما يريد دون قيد أو شرط".

فإذا فكرنا بهذه المعاني وتمعّنا جيدًا في معنى كلمة الحرية, لوجدنا أنه من الظلم والإجحاف تحويل معنى هذه الكلمة وحصرها في نطاق مخالف, أو في أحسن الأحوال قاصر عن التعبير عن مدلول هذه الكلمة, ومحتواها الكبير.

نحن نستخدم كلمة الحرية كمعاكس لكلمة العبودية, وهذا الاستخدام هو استخدام اصطلاحي, بمعنى أنه لا يعبّر بصورة دقيقة عن معنى كلمة الحرية. لأن هذه الكلمة العربية اُستخدمت للتعبير عن الرجل الشريف النبيل, وليس المقصود بالشرف هنا المعنى الذي نتعارف عليه بيننا وهو العِرض, ولكنّ الشرف هو كلمة تعبّر عن مجموعة الصفات التي تؤهلك لتتبؤ مركز الصدارة بين الناس. وكذلك الحرية, فالرجل الحرّ هو الرجل الشريف النبيل الذي لا تشوبه شائبة نقص في أخلاقه ومروءته, وهو ما يجعله مؤهّلًا ليكون من أشراف الناس.

وفي استخداماتنا اللغوية, نصف الشيء بأنه حرّ للدلالة على خلّوه من الشوائب التي قد تغيّر من صفاته المميزة, فنقول مثلًا:"ذهبٌ حرّ"أي خالي من الشوائب الأخرى التي تختلط بمعدن الذهب فتنقص من قيمته وتغير من صفاته.

بعد هذه المقدمة اللغوية, نعود إلى ما بدأنا به حديثنا, وهو فهمنا اليوم لمعنى كلمة الحرية؛ إننا نستخدم كلمة الحرية استخدامًا ملتبسًا, فعندما نستخدم معنى الحرية للتعبير عن حالة الإنفلات من القيد, فإننا بهذا نحوّل معنى الكلمة إلى وجهة جديدة تفتقر إلى جوهر معنى الكلمة, فهي هنا تصبح مجرد كلمة تعبّر عن تفلّت من حالة حبس معينة, مجرد إرسال غير منظم, بينما معنى الكلمة الدقيق يحمل في طياته معنى ايجابيًا من عدة وجوه, فهي تحمل معنى النقاء والتميز, فالحر من أي شيء هو من لا تشوبه شائبة تؤثّر على كيانه فتغير فيه. وهي من جهة أخرى تحمل معنى الفاعلية, فإذا اتجهنا للإنسان ووصفناه بالحر, فنحن نعني أنه الانسان الذي استطاع أن يتخلّص من كلّ الصفات التي تخرجه عن إنسانيته. ولاحظوا أننا نستخدم معنى الحرية في سياق ايجابي وللدلالة على صفات ايجابية حسنة.

وبهذا فإننا إذا استخدمنا كلمة الحرية عكسًا للعبودية فإننا نستخدمها بشكل اصلاحي, فكأننا نقول إن العبودية هي صفة سلبية إذا دخلت على الإنسان أخرجته عن إنسانيته وجعلته مخلوقًا آخر لا يستطيع القيام بما توجبه عليه صفته الإنسانية, ووظيفته التي خلقه الله من أجلها. ولذلك فقد كان للعبيد في الإسلام أحكام خاصة, ليس احتقارًا لهم, ولكن مراعاة للحالة التي شابت إنسانيتهم, ومن أجل ذلك فقد حث الإسلام على"تحرير"العبيد, وهنا مفارقة, فالله تعالى خاطب الناس على أنهم عبيد, وفي هذا"تحرير"لهم من ذل الانقياد لغير الله.

الحرية وعي:

إذا دققنا النظر فيما سبق فإننا سنصل إلى فكرة أخرى, وهي أن التحرر كفعل, يستلزم شعورًا بالشائبة أو المعوق الذي دخل على الشيء فمنعه أو أعاقه عن القيام بما وُجد من أجله, أي وظيفته التي كُلّف بها. فإذا أردنا أن نحرر الإنسان مثلًا, فيجب أولًا أن نعي المعوّقات التي تمنعه من القيام بمهمته ووظيفته, ولا يكون هذا بشكل اعتباطي, بل إنه يتطلب منا معرفة تامة وحقيقة بالمعوّق, ومعرفة عملية وواقعية بكيفية التخلص منه.

وهنا يجب الانتباه إلى أمر هام جدًا, وهو الوعي الحقيقي بالمعوق, وهذا يتطلب منا معرفة أمرين أساسين: أولهما معرفتنا بالشيء خالصًا من شوائبه ومعوقاته ومعرفتنا بالمعوق الفعلي, لكيلا تختلط علينا الأمور.

ولتوضيح الصورة نأخذ مثلًا"تحرير"المرأة, هذا المطلب الذي مازلنا نسمع كلامًا كثيرًا حوله, وخصوصًا في وقتنا الحالي.

فتحرير المرأة يُستخدم كمصطلح يُقصد به تخليص المرأة من كلّ المعوّقات التي تمنع قيامها بوظيفتها في المجتمع, بصفتها امرأة حرّة. ولكننا إذا نظرنا إلى الدراسات التي اهتمّت ببيان هذه المعوّقات تمهيدًا لتخليص المرأة منها, نجد أن معظم الدعوات اتجهت إلى اعتبار الحجاب مثلًا معوّقًا من هذه المعوّقات, فكثرت الكتابات التي هاجمت الحجاب, وحاولت إقناع القارئ بسخفه وعدم ضرورته, بل إن بعض هذه الكتابات جعلت القارئ يظن أن خلع الحجاب سيكون هو المخلّص الوحيد لهذه المرأة المسكينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت