فهرس الكتاب

الصفحة 4900 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

طائرتان تندفعان نحو مبنيي مركز التجارة العالمي في نيويورك , فيتهاوى

المبنيان في وقت قصير. كلُّ مبنى مئة وعشرة طوابق, وفيهما بحدود خمسين ألف موظف . وطائرة ثالثة تنفجر على البنتاجون في واشنطن, فتندلع فيه النيران, وتذهب بجزء هام منه . وطائرة رابعة تنفجر في بنسلفانيا , وسيارة مفخخة تنفجر

عند وزارة الخارجية . ذلك مع صباح يوم الثلاثاء 23/6/1422هـ الموافق

11/9/2001مـ

الساعة التاسعة صباحًا بتوقيت واشنطن, حين يتدافع الموظفون إلى أعمالهم في مركز التجارة العالمي, وينطلق النشاط في كل مكان , والناس يحسبون أنهم آمنون ويمضون مطمئنين , لا يقلقهم إلا السعي اللاهث وراء الدنيا وزينتها وتنافسها, وهم أبعد ما يكونون عن تصور هذا الحادث المروع أو توقعه , في هذا الوقت انفجرت أمريكا والتهبت في أخطر مواقعها التجارية والسياسية والعسكرية: مركز التجارة العالمي والبنتاجون ووزارة الخارجية .

ستبدأ الأجهزة تبحث عن الفاعلين , وستضع كل إمكاناتها وفكرها وأعصابها للكشف عن الذين نفذوا هذه العملية الرهيبة . وسيقوم بذلك أكثر من بلد وقطر , ليس أمريكا وحدها , فإنكلترا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى , كلها أعلنت عن استعدادها للمشاركة في البحث والتنقيب , وبناء حلف يعلن الحرب على"الإرهاب"في العالم كله .

سيمضي الناس يُشْغَلون في البحث والظن والتخمين , وستمضي الإشاعات

تمتد وتنتشر بين مؤيد ومنكر, وستهيج العواطف هنا وهناك تخوض في ميادين كثيرة من الظنون والاستنتاجات .

ولكن كثيرًا من الناس قد يغيب عن بالهم التفكُّر بقضاء الله وقدره , قضاؤه النافذ , وقدره الغالب , وحكمته البالغة . فما من شيء في الكون , صغير أو كبير ,إلا وهو خاضع لقضاء الله وقدره وحكمته , سبحانه وتعالى:

"والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير" [ غافر:20 ]

العاقل يقف ليتأمل ويتدبر , ليرى في هذا الحادث الرهيب آية من آيات الله ينذر بها الله الناس جميعًا, وينذر الظالمين في الأرض جميعًا , وليرى أن قضاء الله نافذ لا يفلت منه أحد أبدًا , مهما استعصم بالبروج والناطحات والأجهزة والعلم:

"أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون . أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون . أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ."] الأعراف:97-99[

هي غفلة الناس وهم يمضون في حياتهم الدنيا , يمضون بظلمهم وإفسادهم واتباع أهوائهم مبتعدين عن شرع الله ودينه:

"وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون . وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ." [ يوسف:105-107]

ويمضي قدر الله على سنن لله ثابتة , نعلم بعضها مما علَّمنا الله أو هدانا إليه , ونجهل بعضها مما هو مخفيٌّ عنا . ومن سنن الله في هذه الحياة الدنيا نماذج شتى من صراع الشعوب والأمم: فحرب بين المؤمنين والظالمين , وحرب بين الظالمين بعضهم ببعض , وحرب بين المؤمنين:

"قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " [29]

"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " [الحجرات:9]

"وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون" [الأنعام:129]

قوى الكون كله , إنسه وجنه وملائكته , سماؤه وأرضه , كلها بيد الله الذي لا إله إلآ هو , كلها جنود الله:

".. وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر" [ المدثر:31 ]

العاقل ينظر في آيات الله ,فيخشع ويتوب ! يجب على أمريكا أن تكون أول من يقف ليتدبر , ولترى كم أخذها الكبر والغرور والصلف , حتى بلغ بها الذروة , وظنوا أنهم في مأمن من أي عادية من عوادي الأيام .

لقد قال نيكسون في كتابه: نصر بلا حرب:"إنا أمسكنا بناصية المستقبل وزمامه بأيدينا ...."! نسي الله , ونسي أن الله وحده يملك المستقبل والماضي والحاضر:

"..نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" [ الحشر:19 ]

لقد اعتبروا أن العلم وحده هو الذي يحميهم وينصرهم ,فجعلوا منه وثنًا يعبد من دون الله , وسموه:"العِلمانية Scientism" . وجعلوا الدنيا كذلك والعالم المادي غاية آمالهم وميدان علمهم , وجعلوا منه وثنًا آخر يعبدونه من دون الله ,"

وسموه"العَلمانية Secularism" . فرحوا بالدنيا وبما عندهم من العلم , وظنوا أن لا أحد يقدر عليهم:"

"فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون" [ غافر:83-85 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت