فهرس الكتاب

الصفحة 13561 من 27345

تفسير سورة ص )

الجمعة 16 ذي الحجة 1397 / 25 تشرين الثاني 1977

( 3 من 5 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ... أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

سنحاول اليوم أن نلقي بعض النظرات التفصيلية على بعض ما أجملناه في الماضي ونحن نلخص مقاصد سورة ( ص ) ، ومن التلخيص الذي قمنا به في الجمعة الماضية يتضح أن فواتح السورة الكريمة تتصل أوثق اتصال للجدل الذي كان دائرًا في مكة إبان فواتح الدعوة ، ويتضح أن هذا الجدل يحمل طابعه الخاص من حيث أنه لا يصدر عن نظر عقلي وليست له ضرورات منطقية ، وإنما ابتعثه وأثاره ما كان يعتمل في نفوس المشركين المخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بواعث الحسد وما يولّده الحسد من ضغائن وأحقاد .

كما يتضح من مراجعة فواتح السورة أن الله جل وعلا ذكر لرسوله وللمؤمنين جملة من التلقينات التي أراد لها الله تعالى أن تحيا في المسلمين أبدًا ، لكي لا يطغى ضجيج المعركة الدائرة رحاها على عوامل الثقة في المستقبل التي يريد الله تعالى أن تظل حية نيرة مشعة موجهة لمسالك المسلمين أبد الدهر . فبيّن له جل وعلا أن ما يراه أمامه من ظواهر لا عقلانية ومن وقائع بعيدة عن الإنسانية فشيء عند التأمل لا يدعو للعجب وللدهشة والاستغراب ، فتلك هي طبيعة الناس بما أنهم ينفرون من الجديد ويفرون من كل ما يرفعهم عن هاوية التقليد ، وأن أممًا مرّت على هذا الكوكب جاءتها رسل الله من قبل بالهدى والبينات وعرضت لها الدلائل الواضحات لا تحتمل أخذًا ولا ردًا ، ومع ذلك أصرت على العناد واستمر مريرها في التكييف وأبان له أيضًا ـ كي لا تتزعزع ثقة المؤمنين بالطريق الذي اختاره لهم ربهم جل وعلا ـ أنه برغم أن الجو من حولهم مكفهر ، صعب مخيف موئس ، فإن هذا كله يجب أن لا يؤثر على ثقة المؤمن بغلبة الحق وانتصار العدل .

وحين قال لهم ( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) فإنما أراد له أن يعلم هو والمؤمنون جميعًا أن أتباع الباطل وأحلاس الضلالة مهما تحالفوا ومهما بلغت قدرتهم على المناوأة والكيد والحرب فإن النتائج المقررة في علم الله سلفًا وهو أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين ، ولكن بعد سلسلة من البلاء والتمحيص تميز الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والمؤمن البر من الفاجر الشقي ، وحين قال له ( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) فإنما أراد أن يلفت المخاطب بهذا القرآن وهو الإنسان العربي اللسان إلى ما في حرف ( ما ) في ( جند ما ) من الإبهام الذي يهوّل ويصور الصورة مضخّمة أو غير مضخّمة إلى ما يتركه هذا الحرف في ذهن السامع ، فالله تعالى كان قادرًا على أن يقول له: إن جند قريش مغلوبون ، فيتناول التخصيص إطارًا محدودًا في الزمان ومحدودًا في الحجم والمكان ، ولكنه في الإبهام المتمثل في حرف ( ما ) أراد له أن يفهم وهو ابن اللسان أن الجند مطلق جند ، إذا تكاتف وقاتل الحق فهو مهزوم ، وحينما أردف هذا الحرف بكلمة الأحزاب أراد أن يترك في أذهان المؤمنين الذين يفهمون عن الله جلا وعلا معنى ما أراد ما أشارت إليه بداية السورة الكريمة ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) .

سأترك هذه النقطة الآن ، لأبدأ من البداية عسى أن أستطيع إلقاء بعض الأضواء على جملة من القضايا التي عرضتها فواتح السورة الكريمة ، ومعذرة إذا بدا الحديث مخالفًا بعض الشيء لما ألفتموه ، فنحن في تتبعنا لسياق الدعوة في طور متقدم تقدمًا طيبًا للغاية ، وإذًا فما يُعرض من قضايا وما يثار من مشكلات لها طبع الجدية ولها صفة الاستمرار ، ويجب أن يكون لها مداها الواسع والعميق ، وانسجامًا مع هذا فنحن مطالبون بشيء من الأناة والنظر الدقيق في صياغة آيات الله تبارك وتعالى ، لنبدأ من البداية .

إن الله تعالى يقول ( ص والقرآن ذي الذكر ، بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) وسنسلك طريقًا نرجو أن يأخذ الإخوة جميعًا أنفسهم به على ما فيه من مشقة ، ولكنه الطريق المنتج وهو الطريق الذي يعتمد حقائق اللغة وأساليب البيان وفنون القول أساسًا لفهم موحيات القرآن الكريم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت