إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله . ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ? [ آل عمران: 102 ] ? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًًا? [النساء: 1] والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين ، الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته . وبعد:
الموت قدر محتوم على كل مخلوق، والشهادة في سبيل الله أسمى صور الموت وأعلاها، يصطفي الله لها من يشاء من عباده ، ولما للشهادة عند الله من علو المنزلة وعظيم الأجر ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي نفس محمد بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل ) (1) كان أبو هريرة يقولها ثلاثًا.
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم قال:"ما أجد أحدًا يدخل الجنة فيتمنى أن يخرج منها وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرار، لما رأى من كرامة" (2)
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه سئل عن أرواح الشهداء، قال قد سألنا عن ذلك، فقال:"أرواحهم كطير خضر لها قناديل معلقة في العرش تسرح حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديلها فبينما هم على ذلك إذ اطلع عليهم ربهم اطلاعة فيقول ما تشتهون؟ فيقولون وما نشتهي ونحن في الجنة نسرح حيث شئنا فإذا رأوا أن لابد من أن يسألوا قالوا: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيل الله فنقتل مرة أخرى.) (3) "
المؤمن مأمور على كل حال بالاستعداد للموت، فمن كانت أمنيته الشهادة كان أولى بالاستعداد، وأحرى بالتطلع لاصطفاء الله له. إن بعض الصادقين من طلاب الشهادة يكونون شهداء وهم يمشون على وجه الأرض كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلحة:"شهيد يمشي على وجه الأرض" (4) وفي رواية:"هذا ممن قضى نحبه" (5)
فكيف تستعد للشهادة وتتهيأ لها لتكون من أهلها؟ لعل الله يرزقنا الشهادة في صورة من صورها.
أول العدة للشهادة التوبة الصادقة/ جاء في الحديث الصحيح:"يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد" (6) ، فليس غريبًا أن ينال الشهادة من كان له ماضٍ جاهلي تاب منه، وقد رُوِيَتْ نماذج على مر التاريخ أبلت بلاء حسنًا في التضحية والجهاد ، بعد ماضٍ سيئ يتوب الله على من تاب.
ولا بد بعد الاستعداد للموت في سبيل الله أن يستتبع التوبة إصلاح العمل، وقد كان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. ومعنى ذلك كما يقول الإمام ابن حجر: اعمل ما تلقى نفعه بعد موتك، وبادر أيام صحتك بالعمل الصالح، فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد.
إن الإكثار من ذكر الموت والحساب ليجدد الدافع لدى الإنسان بإصلاح العمل، وإذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، قالوا وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته.
أيها المؤمنون: لا يثبت لإنسان صدق سعيه للشهادة بغير التضحية، لأن الجهاد يكون بالنفس والمال، وكلاهما يحتاج إلى جود وتضحية ، فمن لم يعد نفسه ليقدم ويبذل ويعطي فكيف يحلم بالجنة؟! عن بشير بن الخصاصية أنه قال:"أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أبايعه، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله،وتصوم رمضان، وتحج البيت وتؤدي الزكاة وتجاهد في سبيل الله؟ قال: قلت: يا رسول الله ، أما اثنتان فلا أطيقهما، أما إتيان الزكاة فمالي إلا عشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهن، وأما الجهاد فيزعمون أنه من ولى فقد باء بغضب من الله عز وجل، فأخاف إن حضرني قتال جنبت نفسي وكرهت الموت، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده ثم حركها، وقال: لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟ فبايعه عليهن كلهن.) (7) "
فالمسألة جد ولا تحتمل المساومة ولا التنازل، ولا تضحية بغير جرأة ، ولذلك عُدَّ من الشهداء من قُتِل دون دمه أو عرضه أو ماله، كما في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من قتل دون ماله فهو شهيد" (8) وذلك لتبقى روح المقاومة ورفض الظلم، ومقاومته حية في النفوس فإن لم يرزق صاحبها الشهادة لم يفته أجرها بإذن الله.