بقلم / مطرب الحربي
أخي المسلم أعلم رحمك الله: أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها .
ومعنى أن البدعة لا يتاب منها: أي أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زُيِنَ له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا لأن التوبة لا تكون إلا عن علم بأن فعله سيئ ليتوب منه ، أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله فمادام يرى فعله حسنا وهي سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب نسأل الله أن يوفقنا للتوبة النصوح .
واعلم: أن مدار فساد القلوب واستقامتها على أصلين: هما فساد العلم وفساد القصد فإذا فسد العلم والقصد فسد القلب وإذا صلح العلم والقصد صلح القلب فيجب علينا أن نحسن العلم والقصد ونخلص النية لله وحده حتى نحصل على ثمرة علمنا ونصل إلى الهدف المنشود الذي نريده وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار ، وحتى لا نقع في مهاوي الطريق ونحن لا نشعر بما وقعنا فيه .
فالإخلاص: هو أن يقصد العبد بعمله رِضَىَ ربه ويرجو ثوابه فلا يقصد غرضا آخر من رئاسة أو جاه أو مال أو غيرها .
* والقصد هو ما عقد عليه القلب وعزم على فعله بدون تردد فالقلب إذا كان عالمًا بالحق مريدًا للحق مقدمًا له على غيره ، فهو القلب الحي الصحيح ، وإذا كان بضد ذلك كله فهو القلب الميت . أما إذا كان شاكًا في الحق مرتابًا فيه فهو القلب المريض ، مرض الشبهات والشكوك ، وإذا كان مريدًا للشر ميالًا إلى المعاصي ، فهو المريض مرض الشهوات ، وأما إذا كان القلب فيه غِلًا أو حقدًا على الخلق فهو المريض بالغش وعدم النصح [2] ولقد كانت القلوب موضع العناية التامة عند السلف الصالح لأنهم يعلمون أنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله".
وذلك لأنها مبدأ الحركات البدنية ، والإرادات النفسانية ، فإن صدرت من القلوب إرادة صالحة تحرك البدن حركة طاعة وإن صدرت عنها إرادة فاسدة تحرك البدن حركة فاسدة فهو كالملك والأعضاء كالرعية ، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده ، وكان واجبًا علينا أن نكون كما كان سلفنا في العناية بالقلوب لأن بها سعادتنا بإذن الله وبها شقاءنا .
* وينبغي للعبد في العبادات أن يكون له فيها نية مطلقة عامة ، ونية خاصة مقيدة فأما النية العامة ، فإنه يعقد بقلبه عزمًا جازمًا لا تردد فيه ، إن جميع ما عمله من الأعمال الاعتقادية والبدينة والمالية والقولية والمركبة من ذلك مقصوده بها وجه الله والتقرب إليه وطلب رضاه واحتساب ثوابه ، والقيام بما فرضه وأحبه الله لعبده وأنه عبد مطلق يتصرف العبد المملوك فهذه النية العامة التي تأتي على عقائد الدين وأخلاقه وأعماله الظاهرة والباطنة ، ينبغي أن يجددها في قلبه كل وقت وحين ، لتقوى وتتم ويكمل الله للعبد ما نقص من عمله ، وما أخل به وأغفله من حقوق العبادات ، لعل الله تعالى أن يجزيه على تلك النية الشاملة للدقيق والجليل من عمله أجرًا وثوابًا عظيمًا .
* ثم بعد تحقيق هذا الأصل الكبير الذي هو أساس الأعمال ، ينبغي للعبد أن يتعبد الله بإخلاص في كل جزء من أعماله ، فيستحضر بقلبه أن يعلمه لله متقربًا به إليه ، راجيًا ثوابه من الله وحده ، لم يحمله على ذلك العمل غرض من الأغراض سوى قصد وجه الله وثوابه ، ويسأل ربه تعالى أن يحقق له الإخلاص في كل ما يأتي وما يذر ، وأن يقوي إيمانه ويُخَلِّصه من الشوائب المنقصة ، وبهذه النية الصادقة يجعل الله البركة في أعمال العبد ويكون اليسير منها بنية صالحة أفضل من الكثير الذي بدون نية ثم إذا عرضت له العوارض المنقصات ، كالرياء وإرادة تعظيم الخلق ، فليبادر بالتوبة إلى الله ويصرف قلبه عن هذه العوارض المنقصة لحال العبد التي لا تغني عنه شيئًا ولا تنفعه نفعًا عاجلًا ولا آجلًا .
ثم إذا حقق النية في العبادات ، فليغتنم النية في المباحات والعادات ، وذلك بأمرين:
أحدهما: أن ينوي أن كل مباح يشتغل به من أكل وشرب وكسوة ونوم وراحة وتوابعها يقصد به الاستعانة على طاعة الله والقيام بواجب النفس والأهل والعائلة والمماليك ، ويقول: اللهم ما رزقتني مما أحب من عافية وطعام وشراب ولباس ومسكن وراحة بدن وقلب وسعة رزق ، فإجعل ذلك خيرًا لي ومعونة لي على ما تحبه وترضاه ، وإجعل سعيي في تحصيل القوت وتوابعه أداء للأمر وقيامًا بالواجب واعترافًا بفضلك ومنتك عليَّ ، فإني أعلم أن الفضل فضلك والخير خيرك وليس لي حول ولا قوة ولا اقتدار على شيء من منافعي ودفع مضاري إلا بك فيتقرب إلى ربه بالاستعانة بالله في ذلك وبالاعتراف بنِعَمِهِ ، ويقصد القيام بالواجب وباحتساب الأجر والثواب ، حتى يتحقق فيه قوله صلى الله عليه وسلم:"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فيّ امرأتك".