د.عثمان قدري مكانسي
من هذه الأساليب في هذه التأملات
العلاقة مع القيادة:
فالرسول صلى الله عليه وسلم مثال القائد الفذ المعصوم ، وأصحابه الكرام مثال للجندي والمواطن الصالح . فكيف كانت العلاقة بينهم في هذه السورة الكريمة ؟ .
حين نزلت الآية"والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ، وأولئك هم الفاسقون"شق هذا في بداية الأمر على عاصم بن عديِ الأنصاري ، فقال: جعلني الله فداك ، لو أن رجلًا منا وجد على بطن امرأته رجلًا ، فتكلم ، فأخبر بما جرى جُلِد ثمانين وسماه المسلمون فاسقًا فلا تُقبل شهادته ! فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء ؟ وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرَغ الرجل من حاجته! فقال عليه الصلاة والسلام"كذلك أُنزلتْ يا عاصمُ بن عدي"فخرج عاصم سامعًا مطيعًا فالسمع والطاعة للقائد المؤمن الذي يحكم بأمر الله تعالى .
وحين يكون المسلمون مجتمعين في إمرة القائد لا ينفلتون إلا بإذن منه لحاجة وضرورة ، فإن أذن انطلقوا وإلا فعليهم البقاء سمعًا وطاعة . على أن يكون السماح والمنع مبنيين على تفهم القائد لضرورة الأمر ، وأن يكون أبًا رحيمًا لهم ، وأخًا عطوفًا عليهم . ووصف الله تعالى الملتزمين الأمرَ بالمؤمنين"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ، إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم واستغفرلهم الله ، إن الله غفور رحيم". فالعلاقة بين القائد والجندي والرئيس والمرؤوس متوازنة . فالجندي يحترم قائده ويستأذنه ، والقائد يعطف على جنديّه ويستغفر له .
أما الذين ينسحبون من اللقاء دون أن يشعروا النبي القائد متوارين بإخوانهم رويدًا رويدًا فقد أتَوْا خطًا جسيمًا يستحقون عليه العقوبة . وهنا يأتي التحذير من مغبة هذا التصرف الدالُّ على عدم الشعور بالمسؤولية من مخالفة الأمر ، فلئن غاب عن النبي الكريم خروجهم وتواريهم فلن يغيب عن الله تعالى خطأ تصرفهم"قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا ، فليحذر الذين يخالفون عن أمرهم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
كما أن على المسلم أن يتأدب بحضرة قائده المتمثل بهدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، فلا يناديه بصوت عالٍ ، إنما يسعى إليه ويخاطبه بصوت منخفض مسموع ، يدل على احترام وتقدير ، لا على ذل وخنوع"لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا".
كانوا يصيحون من بعيد ينادون الرسول الكريم: يا أبا القاسم ، فنبههم القرآن إلى تعظيم نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فلا يرفعون أصواتهم عنده ، ويشرفونه ، ويفخمونه في رفق ولين وينادونه بقولهم: يا رسول الله .
وقد مُنِع المسلمون في سورة الحجرات أن يرفعوا اصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم في حضرته"يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي". وأن لا ينادوه بأحمد ومحمد وأبي القاسم ، لابصوت عالٍ ولا صوت خفض، خوفًا من ضياع أعمالهم الصالحة لهذا التصرف الشائن ، ولكن: يا رسول الله ويا نبي الله"ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم بعضًا ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون".
ثم مدح الذين يخاطبون الرسول الكريم بأدب جمّ ولطف زائد وصوت منخفض ووعدهم بالغفران والأجر العظيم:"إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم".
إن العلاقة في الإسلام بين القيادة والأمة قائمة على الحب والاحترام والعطف والود ، ليس فيها طغيان الحاكم على الرعية ، ولا استبداد وظلم وتعالٍ على العباد ، وليس فيها ذل المواطن والخسف به وسلبه ونهبه ! وبمثل هذه الحياة تقوى لحمة الأمة ويعلو شأنها وتسمو مكانتها .
ومن هذه الأساليب التربوية
أدب الزيارة:
الأماكن التي يرتادها الناس ثلاثة:
أولها: بيت الإنسان وسكنه الخاص . فهو يدخله وقت يشاء دون حرج ، ودون استئذان من أحد . إلا أنّ من الأدب إشعار من في داخله -زوجة وولدًا وضيفًا- أنه قادم كي لا يفاجأ بدخوله أحد . هذا ما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام حين يدخل بيته مسلمًا على أهله .
أما الدخول على غرف البيت فلا بد من الاستئذان على من في داخلها كي لا تقع العين على عورة . روي أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن على أمي ؟ قال:"نعم"قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ . قال"أتحب أن تراها عُريانة؟"قال: لا . قال:"فاستأذنْ عليها".
وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يتنحنح بصوت عال قبل أن يُسلّم ويدخل ، فالمرأة تحب أن يراها زوجها على أفضل حالاتها .