فهرس الكتاب

الصفحة 4300 من 27345

محمد الوهيبي

قال - صلى الله عليه وسلم: » إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا « [1] .

وهكذا كان من منهج أهل السنة الإمساك عن ذكر هفوات الصحابة وتتبع زلاتهم وعدم الخوض فيما شجر بينهم.

قال أبو نعيم - رحمه الله: فالامساك عن ذكر، أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله - عز وجل - بقوله: (والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ) .

ويقول أيضًا في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة) [2] .

إذًا الإمساك المشار إليه في الحديث الشريف إمساك بخصوص يقصد به (عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة، والانتصار لأخرى) [3] .

وذلك مما لم نؤمر به، إنما أمرنا بالاستغفار لهم ومحبتهم ونشر محاسنهم وفضائلهم.

(لكن إذا ظهر مبتدع، يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل) [4] .

وهذا مما نحتاجه في زماننا، حيث ابتليت الأمة المسلمة بجامعاتها ومدارسها بمناهج - يزعم أصحابها الموضوعية والعلمية - يخوضون فيما شجر بين الصحابة بالباطل دون التأدب بالآداب التي علمنا إياها - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - كذلك ابتليت بالفرق الضالة التي نشرت ذلك في بعض البلاد، بل إن العدوى-وللأسف- وصلت بعض الإسلاميين حتى إن بعضهم يجمع الغث والسمين من الروايات حول الفتنة التي بين الصحابة ثم يبني أحكامه دون الاسترشاد بأقوال الأئمة الأعلام وتحقيقاتهم، من أجل ذلك أردت أن أشير إلى بعض الأسس والتوجيهات التي ينبغي أن يعرفها الباحث إذا اقتضت الحاجة أن يبحث وينظر إلى الروايات فيما شجر بينهم.

1 -إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل، بل الأصل العقدي عند أهل السنة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والسنة لابن أبي عاصم، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني، والإبانة لابن بطة، والطحاوية وغيرها.

ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله (لصغر سنه أو حداثة عهده بالدين..

لحقيقة ما حصل بين الصحابة واختلاف اجتهادهم في ذلك فيقع في الفتنة (بانتقاصه الصحابة) من حيث لا يعلم..

وذلك مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف وهي ألا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم، قال الإمام البخاري - رحمه الله: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي - رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟.

قال الحافظ في الفتح تعليقًا على ذلك: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبني أن يذكر عند العامة ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) رواه مسلم.

وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب..

إلى أن قال: (وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم) [5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت