فهرس الكتاب

الصفحة 22507 من 27345

لقد حرص زعماء الكفار على التأثير على النبي صلى الله عليه وسلم ليترك دعوته أو ليتنازل عن بعضها مما يريدون منه , فمارسوا معه من أجل ذلك أنواعًا من الأذى , وجربوا معه ومع أتباعه فتنة التخويف, فلما لم ينجحوا في التأثير عليه تحولوا إلى فتنة التأليف فحاولوا مساومته بأنواع من المغريات الدنيوية في مقابل التنازل منه عما يغيظهم من دعوته.

وقد اجتمعوا يومًا فتشاوروا في أمره , واستقر رأيهم على إرسال واحد منهم لمحاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإغرائه بالمغريات المادية التي يتنافس الناس عليها عادة من أجل أن يتنازل عن تصلبه في دعوته , وأن يترك التعرض لأصنامهم وما استقر عليه أمرهم مما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم .

وقد انتدب لهذا الأمر عتبة بن ربيعة , وهو معروف عندهم بالحلم والتعقل .

أخرج الإمام البيهقي من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلًا عالمًا بالسحر والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره .

فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علمًا , ومايخفى علي إن كان كذلك , فأتاه , فلما أتاه قال له عتبة: يامحمد أنت خير أم هاشم, أنت خير أم عبد المطلب , أنت خير أم عبد الله ؟ فلم يجبه .

قال: فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا ؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا مابقيت , وإن كانت بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش شئت, وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ماتستغني بها أنت وعقبك من بعدك , ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لايتكلم .

فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (حم) (تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ) (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ) (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) [فصلت 1- 13]

فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه , ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم .

فقال أبو جهل: يامعشر قريش والله مانرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه, وماذاك إلا من حاجة أصابته , انطلقوا بنا إليه , فأتوه فقال أبو جهل: والله ياعتبة ماحسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره , فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا مايغنيك عن طعام محمد ,فغضب وأقسم بالله لايكلم محمدًا أبدًا .

قال: ولقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا , ولكني أتيته - فقص عليهم القصة - فأجابني بشيء والله ماهو بسحر ولا شعر ولاكهانة , قرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) حتى بلغ - (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ)

فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف , وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب ( [1] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت