علي صالح طمبل*
وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
وأمشي ولو أن النهار صوارم *** وأسري ولو أن الظلام جحافلُ
وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم *** بإخفاء شمس ضوءها متكاملُ
هذا هو حال لسان الترابي وهو يطلق فتاواه الصاروخية العابرة للقارات ليأتي (بما لم تستطعه الأوائل) ، وكأن جميع من سبقوه قد فات عليهم أن يأتوا بهذه الفتاوى المبتكرة؛ ليأتي بعبقريته المعهودة؛ فينفخ فيها الروح، ويبعثها للعالم!.
وليت فتاوى الترابي تتعرض لأمور تقبل الاجتهاد والقياس، ولكنها تمس ثوابت لا يختلف فيها اثنان؛ فتحاول بذلك أن تزعزع ثوابت ومسلمات لا يختلف فيها اثنان، وتفتح بابا من الفتنة من العسير أن يوصد.
ولست بصدد مناقشة فتاوى الترابي من إمامة المرأة للرجال، وزواج المسلمة من الكتابي، واقتصار حجاب المرأة على تغطية الصدر، وشهادة المرأة التي تعدل أربع شهادات، وغيرها من الفتاوى المضللة؛ فقد تصدى لذلك نفر كريم من العلماء والدعاة الأفاضل؛ لذلك رأينا أنه من الأجدر بنا أن نناقش محورا آخر يتعلّق بالمرامي والأهداف من إطلاق هذه الفتاوى، وفي هذا التوقيت بالذات!!..
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا نجد أن المحور الطاغي على فتاوى الترابي هو المرأة؟!.
لقد أهدى الترابي بفتاواه - (المتبرجة) من كل دليل، و (المتزينة) بكل ما لا يقبله عقل أو منطق - للدعاة العلمانيين، والملاحدة، ودعاة حرية المرأة المزعومة ما لم يخطر لهم على بال؛ ليختصر الطريق أمام مآربهم للنيل من هذه الأمة وعقيدتها؛ فالمدخل الحقيقي لأعداء الأمة هو المرأة التي كرمها الإسلام، وجعلها جوهرة مصونة، ومنحها من الحقوق ما لم تمنحها إياه كل الأعراف والقوانين الغربية الوضعية؛ لذلك جاءت مقولة اليهود الشهيرة: (كأس وغانية يفعلان في الأمة الإسلامية ما لا يفعله ألف مدفع) !!..
وهذه الفتاوى تمثل في مجملها تنازلات واضحة للفكر الغربي!!.. فهو يرفع هذه الأيام لواء الديموقراطية التي يفتقدها، وينادي بضرورة مساواة المرأة للرجل و يدعي منحه حقوقها لها، بينما يظلمها وينظر إليها نظرة شهوانية محضة!!.. علاوة على أن هذه الفتاوى تمثل استجابة للضغوط التي يتعرض لها المسلمون في كل كان من العالم وهم يقاومون الحملة الشرسة التي تقودها الأفعى الأمريكية على الإرهاب الذي تصدّره من بلادها إلى كل أصقاع العالم!!..
والعجيب في الأمر أن من أتباع الترابي من يذود عن فتاواه، ويزعمون أن له خطابا صفويا، ولغة رفيعة لا يفهمها إلا العباقرة من أمثاله، وغير ذلك مما يدل على سذاجة قائله، وخفة عقله، كما فعل فرعون من قبلُ بقومه: (فاستخف قومه فأطاعوه) الآية!!..
لكن حين أنشد المعرّي الأبيات سالفة الذكر قال له صبي: إن الأوائل قد أتوا بثمانية وعشرين حرفا؛ فهل تستطيع أن تأتي بحرف آخر؟!.. فبهت، وسُقِطَ في يده، وكانت تلك الحادثة أخزت غروره من حدث، و (الغرور مقبرة الأبطال) كما يقولون!!..
وحين استخف فرعون قومه فأطاعوه كانت عاقبته الخزي مع قومه في الدنيا والآخرة، وكانت النتيجة أن أورد نفسه وقومه المهالك.!!..
من السهل أن تعمد إلى القرآن فتفسره على الهوى، وتجاوز إجماع الفقهاء والمعنى المراد من النصوص؛ وتتبع ما تشابه منه، لكن العبرة: هل تستند أفكارك إلى دليل علمي أو منطقي؟!.. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الألْبَابِ) (سورة آل عمران: 7) .