لغتي الحبيبة ماذا دهاك ؟ …
د. زينب بيره جكلي
ضادي حباك الله خير مكانة لك دون غيرك في الجنان الموقف
أنت التي نزل الأمين بهديها وسما بها فوق الذرا المتلطف
ما زال هولاكو يمزق سفرها وعواصف الأعراق فيها تعصف
اللغة العربية لغة حبيبة إلى قلوبنا ، لغة تهتز لها مشاعرنا ، وتطرب لسماعها أفئدتنا ، لغة ليست كسائر اللغات العالمية ، إنها لغة حملت كلام رب العالمين الذي أنزله الوحي الأمين ، ويكفيها بذلك فخرا وسموا .
لغة نطق بها خير البشرية أحاديثه الشريفة لتكون للعالمين بشيرا ونذيرا ، فحقها إذا أن تكون اللغة العالمية كما أراد الله سبحانه وتعالى لها ، وهي أهل لذلك ، فقد حملت حضارة أمة مجيدة كان خليفتها الرشيد يقول للغمامة:"سيري أنى شئت فخراجك يجبى إلي"…
لغة ترجمت بها علوم الأوائل كما حملت حضارات الأمم ، ولم تضعف ولم تعجز عن حمل هذه العلوم في الوقت الذي كان فيه الغرب يغط في سبات عميق ، ويظن في جهاز الساعة الذي أهداه الرشيد للملك شارلمان جنيّا يحركها .
ما بالنا اليوم نتهم هذه اللغة ، وهاتيك الحضارة ؟ أنعيبا كما نعب الغرب ؟ وتردادا لما يقوله العدو ؟ أليست لنا هويتنا ومكانتنا ؟ … ولكن:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميّت إيلام
إن الدعوة إلى القضاء على اللغة ليست بنت الساعة أو الآونة الراهنة ، وإنما بدأت منذ قرنين من الزمان ، يوم عاد من ثقف في بلاد الغرب لينددوا بالعربية ، ولينشروا محاضرات ، ويؤلفوا كتبا يطعنون فيها بها ، ويدعون إلى الأخذ باللهجات العامية باسم المواطنة الفرعونية أو الفينيقية أو الآشورية ، أو ما شابه ذلك من دعوات منكرات يستعين بها العدو الذي ينهج نهج"فرق تسد".
ولم يتوقفوا عند هذا بل راحوا يضعون لكل عامية قواعد ، ويدعون إلى دراستها ، بل دعوا أيضا إلى نقل معاني القرآن الكريم إلى العامية كما نقل الإنجيل إلى العامية المصرية ، وصدر عن جامعة الدول العربية ، ونأسف لهذا ، كتب تدرس اللهجات المحلية وتدعو إليها … ، وأذكر هنا قول الزمخشري رحمه الله:"ولعل الذين يغضون من العربية ويضعون من مقدارها ويريدون أن يخفضوا من منارها كانوا من الشعوبية ، وكان عملهم منابذة للحق الأبلج ، وزيغا عن سوء المنهج , وهم كما قال الشاعر:"
عربي لسانه ، أعجمي رأيه ، فارسية أعياده""
ونحن نعلم تماما أن العامية تختلف من بلد إلى بلد ، بل في البلد الواحد ، وهي لا ثبات لها ولا استقرار ، وتفصل العرب عن بعضهم بعضا ، وكفانا ما نعانيه من الانفصال السياسي .
ولم تقف الدعوة عند هذا الحد ، بل تعدى الأمر ذلك إلى المطالبة باللغة الإنكليزية ، وبأحرفها اللاتينية ، بل إن بعضهم قال بالأخذ باللغة اليونانية وحروفها … ، كما طالب الحداثيون الذين هم من أشد أعداء العربية في زماننا هذا بإلغاء قواعد اللغة العربية ، أو بكتابة الكلمات بتسكينها …
أرأيتم أبناء الضاد كيف أن الغاية هي التخلص من الفصحى وحروفها وقواعدها بأي وسيلة كانت ، وليس هناك من هدف إلا فصلنا عن قرآننا ، وعن حضارتنا ، و تراثنا .
ولم يكتف الأبالسة بهذا بل طلعوا علينا بأسلوب جديد عندما أعياهم تنفيذ ما سبق إزاء الوقفة الصامدة من أبناء العربية ، ، وراحوا يضعفون العربية باسم التسهيل والتحسين ، وصرنا نرى خريجين من أقسام اللغة العربية يخطئون في قواعدها وإملائها ، ويهاجمون من ينتقدهم في ذلك … ونرى أشعارا ملفقة بل خارجة عن اللغة ، واسمعوا إن شئتم قول أحد أدعياء الشعر الذين يبغون تضييع اللغة والقضاء عليها ماذا يقول:
"حين أتى الحمار من مباحث السلطان"
كان يسير مائلا كخط ما جلان
خيرا أبا أتان
أتقثدونني ؟
نعم ، مالك كالسكران ؟
لا شيء بالمرة ، يبدو أنني نعثان
كل الذي يقال عن قثوتهم بهتان""
يقصد أتقصدونني ، نعسان ، قسوتهم .
وهذا آخر يقول:
"الدرج الحالي بزيزفون"
والفوقه تعرش يا سمينة
الحلوة التخطر كالظنون
الدرج الرنا إلي عهدا
والكاد لي يشهق من دلال
يقول جن جن أو أشدا""
أدخل ال التعريف والضمير على الظرف ، وال التعريف على الفعل .
أمثل هذا يستحق أن ينشر إلا أن تكون غايته هدم اللغة وقواعدها ، ولهذا يقول د. وليد قصاب:
لغة الخواجا أعمشت أبصارهم عما أخبئ من كنوز صفاء
وإذا حداثي تشاعر بينهم كان الكلام كرقية العجماء
لا حس فيه ولا معاني تصطفى يا ضيعة الأدباء والشعراء
ولقد أثبتت العربية أهليتها لحمل العلوم المعاصرة ، إذ أصدرت المجامع اللغوية في البلدان العربية معاجم للمصطلحات الأجنبية ، ولألفاظ الحضارة المعاصرة ، وصدرت مجلة اللسان العربي لتنشر بحوثا ومصطلحات علمية باللغة العربية ، كما نشرت معاجم في علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا ، ودرست بعض الجامعات العربية هذه العلوم كلها بالفصحى بعد أن أثبتت أهليتها لذلك ، لما تحويه من اشتقاق ونحت وقياس وتوليد ومجاز …