صرخة جروزني
بقلم الدكتورعدنان علي رضا النحوي
شِيْشَانُ! صُبّي دَمًَا في الأرضِ واغْتَسِلي
بالنّورِ مِنْه ، وضمّي زهْوةَ الأَمَلِ
ورجّعي مِنْ رُبَى غْرُزْني ملاحِمَها
فوَّارةً بِدَمٍ لِلّه مُشْتَعِلِ
مِنْ كُلِّ أرْوعَ سَبّاقٍ بِوثْبِتَه
إلى الشهادة خَطّافٍ على عَجَلِ
تطلَّعتْ كُلُّ دَارٍ مِنْ مَشَارِفهَا
إِلَيْكِ بَيْنَ دَواعِي الشَّوْقِ والوَجَلِ
مَاذا رَأوْا ؟ ! عَجَبًا ! هولًا تُفَجِّرُهُ
عِصَابةٌ مِنْ وُحُوشِ الأَرْضِ والهَمَلِ
هَبُّوا إِليْكِ بأَرتالٍ مُدَعّمَةٍ
مِثْلَ الجرادِ إِذا أَوْفَى عَلَى أَسَلِ
جُنُّوا فَهَبُّوا بأَحْقَادٍ مُرَوَّعةٍ
بالمكْرِ بالكَيْدِ منْ غَدْرٍ ومنْ خَتلِ
وأطْبَقُوا وَلَيَالي الموْتِ فاغِرةٌ
فَاها عَلَى وَمَضَاتِ البَرْقِ والشُّعَل
وأَقْبَلوا ! ثمَّ ولَّوْا ، ويحْهُمْ ، فَزَعًا
لَمَّا رأَوْا عَزْمَةَ الإِيَمانِ لم تَزُلِ
رامُوا الفِرارَ فَما أنْجاهُمُ أَملٌ
وخَلْفَهُمْ صَرَخَاتُ القَهْرِ والعَذَلِ
مِنْ مُجْرِمٍ ظَالِمٍ عَاتٍ تَمُدُّلَهُ
أَهواؤه ظُلُماتِ الشَّرِّ والزَّلَلِ
يَرُدُّهُمْ كلَّما ارتَدُّوا عَلى جَزَعٍ
بِعُصْبَةٍ مِنْ قَطِيعِ الأَعْبُدِ الذُّلَلِ
ظنُّوا القِتالَ سُويْعَاتٍ فهَالُهُمُ
أَنّ القِتال طويلُ العَهْدِ والأَملِ
طَارَتْ مِنَ الهَلَعِ القتَّال أفْئدةٌ
وفُزِّعَتْ مِنْ دُنُوِّ المَوْتِ والأَجَلِ
فَلمْ تَعُدْ غير آلاتٍ تُحَرِّكُهُا
هُوْجُ العَواصِف مِنْ مَكْرٍ ومنْ دَغلِ
رَامُوا النّجَاةَ ! وَمِنْ أَيْنَ النَّجاةُ وهُمْ
مُرَوَّعُونَ شَجًا بالفَقْدِ والنَّكَلِ
ظَنُّوا النّجاة بأرتالٍ مُدَبّبةٍ
مِنَ الحَديد وألوانٍ من الحِيَلِ
بكلِّ دَبَّابةٍ ترْمى بَوارِجُها
نَارًا تأَجَّجُ في قَصْرٍ وفي نُزُلِ
تَظَلُّ تَزحَفُ لا تَلْقَى سِوَى جُدُرٍ
أو مَسْكَنٍ فَرَمَتْ بالوابل الهَطِلِ
حَتَّى إذا انْطَلَقَتْ في زَهْوِها انْفَجَرتْ
بِرَمْيةٍ مِنْ شَديد البَأْس مُشْتَمِلِ
كَأَنَّما الأَرضُ شُقَّتْ عَنْ فَوارسِها
فَغَيَّبُوهَا بِلَفْحِ النَّارِ والظُّلَلِ
وأَطْبَقُوا فَوْقَهُمْ كالجِنِّ قد مَلؤوا
كُلَّ المَسَالِكِ مِنْ وَادٍ ومِنْ جَبَلِ
يهْوِي الجدَارُ وأَبْطالُ الحمى صَعدُوا
نُورًا تَلأْلأَ في أُفْقٍ وفي سُبُلِ
ياللنِّداء عَلاَ ! دوَّى بِسَاحَتِهِمْ
اللَّه أَكْبَرُ مِنْ سَهْل ومن قُلَلِ
لله دَرُّ رِجَالٍ يَنْسُجُونِ دَمًا
أكْفْانَهُمْ بِحَنِينِ البِشْرِ والجذَلِ
يَسْتَقْبِلُونِ جِنَانَ الخُلْدِ فَانْفَرجَتْ
أبْوابُها فَرَحًا بالمُؤْمِنَ البَطَلِ
وخَلَّفُوا جُثَثَ الكُفّارِ هَاوِيةً
إِلى الجَحيم عَلَى وَقْدٍ وَفي شُعَلِ
أو يَحْتَمُون بأجْواءِ الفَضَاءِ وَمَا
دَرَوْا بِأَنّهُمُ صَيْدٌ لُمِحْتَبِلِ
بِكُلِّ حَوَّامَةٍ في الجوِّ قَاصِفَةٍ
تَنْقَضُّ بِالموْتِ أوْ بالحَادِثِ الجَلَلِ
جُنّتْ قَذائِفها أو جُنَّ قاذِفُها
مَوّارةً بَيْنَ وَادٍ أَو عَلى جَبَلِ
تُلقِي اللَّهيبَ جَحيمًا أَوْ تَدُكُّ بِهِ
عَمائِرًا أو تُسوِّي شَاهِقَ القُلَلِ
وتَتْرُك المؤمنين الصَّابرين عَلى
دَمٍ تَوهَّج فِي السَّاحَاتِ مُنْهَملِ
كَأنَّما الأرْضُ كَانَتْ قَبْلُ عَاطِلةً
فوُشّيَتْ بِدِمَاء الفَارِسِ البَطَلِ
كأنَّهمْ وبِساطُ الأَرْضِ مُنْتَشِرٌ
لآلِئٌ زَيَّنَتْ مَوْشِيّةَ الحُلَلِ
وخَلَّفُوا طائراتِ الرُّوسِ هاويةً
إِلى الثّرى قطعًا مَيْسُورةَ النَّفَلِ
لله دَرُّ"دُدَاييفٍ"وعُصْبَتِه
تَحَصَّنوا بِدُروعِ الحَقِّ والعِلَلِ
أَحْيَوْا مِنَ الأَمِس ذكرى شامِل وَرَنَوْا
إِلى غَدٍ مُشْرقٍ بالبِشر مكتَحِلِ
وواصلوا وثَباتِ السَّابقين عَلَى
صِدْقِ اليقينِ وعَزمٍ غَيْر مُنخذلِ
كأنَّما رُجِّعَ التاريخُ وانْتَفَضَتْ
مَوَاكِبُ الحقِّ تُحْييِ سِيْرةَ الأُوَلِ
قَصْرَ الرئاسَةِ ! فأهْزأ مِنْ صَواعِقهمْ
وَرُدَّها فَوْقُهمْ مَوصُولَةَ الوَهَلِ
نَهضْتَ كالقَلْعَةِ الشَّماءَ فانْقَلبُوا
بِخِزْيِهِمْ وجُذُورُ الحَقِّ لَمْ تُنَلِ
هِيَ الحَضَارَةُ يبْنيها غَطَارِفةٌ
مَنْ فارِسٍ صَادِقٍ لله أَو نَبَلِ
هِيَ الحضَارَةُ أمْنٌ كُلّمَا انَتفَضَتْ
إِلى الجِهادِ زُحُوفُ المؤمِنِ البَطَلِ
هُنَا الحَضَارَةُ أَعْمَاقُ الحَيَاةِ بِها
بَيْنَ الجَماجم والأشلاءِ والطُّلَلِ
هذي حَضَارةُ إنْسَانٍ رِسَالتُه
إلى الدُّنا عَزْمَةُ التَّوحِيد والرسُلِ
وخَاتِم الأنْبِيَاءِ المرسَلين دَعا
إِلى هُدىً صَادقٍ بالوحْي مكتملِ
يُزْوَى الفَسادُ بِعزْمٍ غيرِ منهزِمٍ
ويُرْتَقَى لِعُلًا بالحقِّ مُتَّصِلِ
رِسالةُ الله للإنْسْان يَحْملُها
رِجالُها صُدُقًا فَالْحَقْ أو اعْتَزِلِ
تبيّن الرّشْدُ ! مَنْ يَتْرُكْهُ يُلقَ بِهِ
عَلى لهيبٍ تلظّى أوْ عَلَى شُعَلِ
أُولئك المجرِمُونَ الظَّالمون بَغَوْا