فهرس الكتاب

الصفحة 4048 من 27345

الإسلام بكامله دين الرحمة ، كما ورد في الكتاب والسنة

بقلم: الشيخ إبراهيم الدسوقي

وزير الأوقاف الأسبق

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه .

* الكلمات:

الرحمة: عاطفة شريفة وخليقة محمودة وضدها القسوة التي عاقب الله بها اليهود، ومعنى"جعل"اخترع وأوجد ويُحَدَّث أن يكون بمعنى"قدر"في لغة العَرب .

ومائة جزء: المراد بالمائة التكثير لا الحقيقة إذ أن رحمة الله غير محصورة ولا تُحَدُّ بحد، وقيل إعداد الحقيقة وعليه فيحتمل أن تكون مناسبة لعدد درج الجنة، والجنة محل الرحمة، فكانت كل رحمة بإزاء درجة ، وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، فمن نالَتْه منه رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم من حصلت له جميع الأنواع من الرحمة.

وقال الكرماني الرحمة لغة عبارة عن القدرة المتعلقة بإيصال الخير، والقدرة في نفسها غير متناهية، والتعلق غير متناه؛ ولكن حصره في مائة على سبيل التمثيل تسهيلًا للفهم، وتقليلًا لما عند الخلق وتكثيرًا لما عند الله سبحانه .

* البيان:

الرحمة فضيلة محمودة وخُلُقٌ من الأخلاق الفاضلة وصفة من الصفات الكاملة التي وصف الله بها نفسه وتفضل بها على عباده وامتن بها على خلقه، والرحمة الشاملة الواسعة هي رحمة الله رب العالمين ، فقد شملت جميع الكائنات وعمت كل الموجودات، فما من كائن إلا وهو يتنبأ ظلالها وما من كائن إلا وهو يغرف من فيضها، قال - تعالى-: ?وَرَحْمَتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ? سورة الأعراف، آية:156.

فما هذه الأنهار المجراة، والأرض المدحوة، وما هذا الزرع النابت، والتمر اليافع، وما الليل الداجي، والنهار المتجلي إلا أثر من أثار رحمة الله - تعالى - قال سبحانه: ?وَمِنْ رَحْمَتِه جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوْا فِيْهِ وَلِتَبْتَغُوْا مِنْ فَضْلِه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ? سورة القصص - آية: 73.

وسواء لديه سبحانه من أسرَّ القول ومن جهرَ به، فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة - قال جل جلاله: ?هُوَ اللهُ الَّذِيْ لاَ اله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمانُ الرَّحِيْمُ? سورة الحشر- آية: 22

كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ?وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِيْنَ يُؤْمِنُوْنَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِه الرَّحْمَةَ أَنَّه مَنْ عَمِلَ منْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِه وَأَصْلَحَ فَأَنَّه غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ? سورة الأنعام - آية: 54 .

كما تذكرنا أثار رحمته سبحانه باليوم الآخر والتزود له بما يقي الإنسان هو له، وحين ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابًا، قال - تعالى -: ?فَانْظُرْ إِلاى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِى الأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَا إِنَّ ذالِكَ لَمُحِْيى الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرٍ? سورة الروم - آية: 50.

آفاق الرحمة

وكما وصف الله سبحانه نفسَه بالرحمة فقد كان من أعظم آثار رحمته سبحانه أن غير وجه الحياة الكالح وجوها المفعم بالفساد والشر والقسوة والغلظة إلى حياة ملؤها العزة والكرامة والرحمة والرفق والسعادة والأمل فأرسل رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مختتمًا به رسالات السماء وبعثه رحمة للخلق كافة. قال - تعالى: ?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِيْنَ? سورة الأنبياء - آية: 107.

وقال: ?لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيْزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَءُوفٌ رَّحِيْمٌ? سورة التوبة - آية: 3 .

ومع بعثه صلى الله عليه وسلم أنزل كلامه المعجز وآيته الكبرى. إنه كلام الله - شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة - قال عز من قائل: ?وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيءٍ وَّهُدًى وَّرَحْمَةً وَّبُشْراى لِلْمُسْلِمِيْنَ? سورة النمل - آية: 89 .

وبتلك الرحمة ولين الجانب وسعة الصدر ورقة الطبع استطاع صلى الله عليه وسلم أن ينقل العرب من ظلام الشرك إلى نور التوحيد، ومن ذلك الكفر إلى عزة الإسلام.

?فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ? سورة آل عمران - آية: 159 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت