الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: -
أولًا: قواعد عامة لا يسع التاجر جهلها:
1-النية الصالحة:
النية الصالحة من الأمور المطلوبة عمومًا على كل الناس لاسيما التجار منهم ، وقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم -"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (1) ، والمقصود بصلاح النية للتاجر أن يقصد بتجارته وجه الله تعالى فلا يبتغي من ورائها افتخارًا على الناس ولا تطاولًا ولا إفسادًا في الأرض ولا علوًا ، قال تعالى عن قارون: ? وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ? [القصص: 77] ، وعليه أن ينوي بتجارته هذه إعفاف نفسه عن المال الحرام ، وعن ذل السؤال، وأن يقصد الاستعانة به على طاعة الله عز وجل ، قال تعالى عن قارون: ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? [القصص: 77] ، وعليه أن يُعين بهذا المال الفقيرَ وذا الحاجة الملهوف وخاصة الأرحام منهم بإكرامهم والتصدق عليهم وتفقد أحوالهم قال تعالى: ? وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? [القصص: 77] ، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب . قال أنس فلما أنزلت هذه الآية ، قال تعالى: ? لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ? [آل عمران:92] ، قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال يا رسول الله: إن الله تبارك وتعالى يقول ? لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ? [آل عمران:92] ، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -:"بخٍ ذلك مال رابح ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" (2) "
2-الخلق الحسن:
والمقصود بحسن الخلق أن يتحلى التاجر بالصدق والأمانة ، قال - صلى الله عليه وآله وسلم -"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" (3) ، وعليه بالقناعة والابتعاد عن الطمع ، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:"ثلاث مهلكات: شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه من الخيلاء" (4) ،وعليه أن يفي بالوعود وأن يؤدي الحقوق ، قال تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ? [المائدة:1] ، وعليه أن يحسن القضاء والطلب وأن يكون سمحًا في بيعه وشرائه فلا يغش ولا يخدع ولا يحتال لا في بيعه ولا في شرائه ، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:"رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (5) ، وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -"تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم ؛ قالوا: أعملت من الخير شيئًا ؟ قال"كنت آمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر . قال: قال:"فتجاوزوا عنه" (6) .
3-موالاة المؤمنين:
إن المال قوة وسلطان يودَع عند العبد ،لينظر ربه كيف يصنع به ولو شاء الله أن ينزعه منه لنزعه قال تعالى: ? وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ? [المنافقون:7] ، وعلى التاجر أن يسخر هذا المال فيما أمره الله به ومما أمر الله به أن يسخر ماله لتقوية اقتصاد المسلمين وتحسين حياتهم ورفع معايشهم ، وهذا من تمام الموالاة للمسلمين والله سبحانه يقول: ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ? [التوبة:71] ، وعلى ذلك فلا يجوز للتاجر أن يحوّل ماله إلى البنوك الكافرة لأنه بذلك يسهم في تقوية اقتصاد الكافرين وتحسين معيشتهم ورفع مستوى حياتهم؛ وهذا بدوره يؤدي إلى تطاولهم على المسلمين وإهانتهم وإذلالهم ، وفي ذلك خيانة للمسلمين ينبغي للتاجر أن يتجنبها وأن يحذر من الوقوع فيها ؛ حتى ولو كان ذلك من دون قصد منه .
4-أداء الحقوق: