محمد أبو بكرالرحمنو*
أي جهة تعمل في مجال الدعوة لا بد لها من أن تسخر مواردها البشرية و المادية بتوجه واضح متسق مع الأهداف التي تعمل من أجلها , هذا التوجه يمثل الرباط الفكري لمجموع الجهود التي تبذل و النشاطات التي تؤدى من أجل تحقيق الأهداف ضمن ما يطلق عليه إصطلاحا كلمة ( إستراتيجية ) .
و ينبغي أن يكون معلوما أن التأثير الفكري يتطلب تركيزًا على الجانب الذي يؤدي إلى إحداث الإستجابة المطلوبة , و وفقا لذلك يمكن تقسيم التوجهات الدعوية ( الإستراتيجيات ) إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
1-التوجه الجماهيري ( الكمي ) :
و هو توجه يمثل إستراتيجية ذات مرمى واسع جدا , و يرغب من خلاله مخاطبة أكبر عدد من الأفراد , و مثل هذه الإستراتيجية / التوجه تتطلب إمكانات ضخمة للنشر و الإعلان و خطاب دعوي في حد الإتفاق الأدنى مثل المعلوم من الدين بالضرورة و مسلّمات العقيدة و السلوك و غيرها مما هو محل إتفاق عام بين علماء المسلمين , كما يمكن طرح القضايا التعبوية من خلاله التي توحد الأمة الإسلامية مثل قضية فلسطين و الأقليات المسلمة و الإستعمار الأمريكي الجديد , كما يصلح كذلك لبث الوعي الفكري و إرشاد السلوك الإجتماعي .
2-التوجه الإنتخابي ( النوعي ) :
و هو توجه يتم من خلاله تركيز الجهود و الموارد على تحقيق نوعية مميزة من الإستجابة للخطاب الدعوي , مثل الغرس التربوي و التزكية العميقة و التعليم المنهجي و البحث العلمي .. و بصورة عامة يهدف إلى إخراج أفراد متميزين في إستجابتهم للخطاب الدعوي , و يصلح هذا التوجه للجهات التي تعمل على إعداد الدعاة و طلبة العلم و الحفظة لبث العلم الشرعي المنهجي بين الناس و غيرها من مجالات العمل المشابهة .
3-التوجه التركيزي:
و هو توجه يعمل على التركيز على نطاق جزئي معين سواء كان جغرافيا أو إجتماعيا (شباب, أطفال , عمال , موظفين , ربات بيوت ...) أو في مجال محدد ( تحفيظ قرآن , حديث , عبادات , معاملات , ....) . إن هذا التوجه هو نفسه أحد التوجهين السابقين , و لكن في مرمى ضيق , و عليه ينتج منه توجهين فرعيين: أ- توجه تركيزي جماهيري: و يستهدف نفس أغراض التوجه الجماهيري و لكنه يكون مركزا في رقعة جغرافية محددة ( العاصمة , المنطقة الوسطى , ) أو مركزا على موضوع واحد ( القضية الفلسطينية , الحجاب , الولاء و البراء , ....) .
ب- توجه تركيزي إنتخابي: و يستهدف نفس أغراض التوجه الإنتخابي النوعي , و كذلك على رقعة جغرافية محددة أو موضوع واحد ( تحفيظ متون , فقه , أصول , عقيدة , حديث , ) .
إن الحصول على الميزة التي تضمن التفوق على المدارس الفكرية المضلة و التيارات العقائدية المنحرفة تحتاج إلى إستخدام واحد من هذه الإستراتيجيات , و أكرر واحد فقط , حتى تحصل المؤسسة الدعوية على ميزة التفوق في مجالها و المحافظة على خط سيرها و أداء رسالتها بجدارة , و تحقيق أهدافها بكفاءة و إستثمار جهودها و مواردها بفعالية .
إن التحولات الدعوية تنحصر في هذه الثلاث , و يؤدي إستعمال عدة توجهات في نفس الوقت إلى إهدار الجهود و الموارد و الإنشغال بالمشاكل و الطوارىء و فقدان موجهات العمل و الأداء , فتفقد المؤسسة الدعوية التنسيق بين اطرافها و الرباط بين أفكار أفرادها و التفوق على منافسيها .