فهرس الكتاب

الصفحة 2490 من 27345

العلامة محمود مشّوح

بسم الله الرحمن الرحيم

من يهد الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلّ على هذا النبي الكريم وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أوصيكم عباد الله وإياي بتقوى الله، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون فبفضل الله تعالى وعونه وبجهود المحسنين من أبناء هذه الأمة تم بناء هذا المسجد وإنا لنرجو إن شاء الله تعالى أن يواصل رسالته التي قام من أجلها، وإن هذا المسجد لآية على ما يفعل الجهد المشترك بين أبناء الأمة فمن القروش القلائل أمكن بعون الله جل وعلا أن يشاد لله بيت يذكر فيه اسمه، وكلي رجاء إلى المولى القدير أن يضاعف هذه الجهود ويبارك عليها وأن يزيد المسلمين والمؤمنين حرصًا على التمسك بشعائر دينهم.

أيها الإخوة في هذا المسجد لا نبدأ بداية جديدة وإنما نواصل نهجنا الذي اختططناه فالخطبة هنا وصلٌ لما كان في غير هذا المسجد، وعليه فنحن إذن بصدد إكمال الحديث عن سورة العلق من حيث فاتحة الوحي الإلهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، في الجمعة الفائتة كان من توفيق الله جل اسمه أن تحدثنا عن صدر:

)اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى(.

وأظن أننا وقفنا في الحديث عند هذه الآية وفي ختام السور الأربعة سنحاول أن نعطي تلخيصًا دقيقًا للأغراض والمهمات التي كلف المسلمون بها في أوليات الدعوة.

أما الآن فنتابع.. قال الله جل وعلا بعد ذلك:

(إن إلى ربك الرجعى) .

هذه الآية جاءت بعد إشارة بليغة عما يصد الناس عادة عن الهدى، ويردهم عن سبيل التقوى.

)كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى(.

الإنسان يتجاوز حده وينسى مقداره ويظن في نفسه غير الحق حين يشعر بنازع الاستغناء عن أية معونة خارج ذاته تسنده وتعينه وتسدده، ونسيان الإنسان لقدره مصيبة من المصائب الكبيرة فيرحم الله شيخ المعرة فلقد كان يقول:

وإذا النفوس تجاوزت أقدارها حد البعوض تغيرت سجراؤها

لمجرد أن يجاوز الإنسان قدره ولو جناح بعوضة تتغير السجراء يعني تتغير الطبيعة إن الإنسان الذي يطغى ويبغي ما حصيلة ذلك؟ شعوره بأنه غير صائر إلى يوم يحاسب فيه عما قدمت يداه، لو أن الإنسان علم أن بعد هذه الدار دارًا يقف فيها الإنسان بين يدي حكم عدل وبين يديه كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه مسؤول ومُشَدَّدٌ عليه في المسألة. بقيت حقيقة البشرية ماثلة أمام عينيه فالآية:

(إن إلى ربك الرجعى) .

مجرد تذكير بهذه الحقيقة الضخمة التي يراها الإنسان دائمًا وأبدًا حين يودع الأب والأخ والولد والصديق والقريب والبعيد يودعهم إلى دار لا عودة منها إلى هذه الدنيا ولكن الإنسان ربما يشعر وهو يسير خلف جنازة بهذا الشعور الذي يستولي على الإنسان في أوقات الشدائد شعور النقلة والرحلة من هذه الدار. لكنه ينسى هذا لمجرد أن يهال التراب على الميت.

كلا (إن إلى ربك الرجعى) مهما طال الأمر فالموقف غدًا بين يدي الله تبارك وتعالى واعتقاد بعض الناس من الملاحدة والكفار أنه لا مرجع ولا مآل ولا آخرة ولا قيامة ولا حشر ولا نشر ولا حساب؛ لوثة تصيب العقل الإنساني فتخرجه عن حد السلامة والاستقامة لكن الإنسان الذي يستقيم طبعه، يدرك دون ريب -من مجرد الحوادث الدنيوية- من سياق الأحداث اليومية، أن بعد هذه الدار دارًا.. دعك من كل هذا وخذ المسألة مسألة حساب رحم الله أبا العلاء لقد كان يقول بيتين يحملان معنى الطرافة والنكتة لكن تعبيرهما عميق، يقول:

قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد .. قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بنادم أو صح قولي فالخسارُ عليكما

حسب المسألة حسبة مادية، إن قلت ليس بعد هذه الدار دارًا ثم كان بعد ذلك دار وكان حساب وكان ثواب وعقاب؛ فمن الخاسر ويحك ألست أنت الذي أنكرت بغير سند من حجة ولا برهان وبغير سند من قضية العقل السليم. وإن قلت بعد هذه الدار دار، وثمة حساب وثواب وعقاب ثم لم يكن شيء بعد ذلك، فأية خسارة تكون عليك؛ الأمر لديك سواء، مخرج القضية عند أبي العلاء مخرج الطرفة والنكتة لكن دلالتها عميقة.

هذه الآية تنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخاطب بها قومًا، ضَلَّ معظمهم عن هذه الدار، وطغت أكثريتهم الساحقة وتجاوزت أقدارها فقال لهم بهذا الجزم والحسم والقطع (إن إلى ربك الرجعى) صِيْغَةُ إخبارٍ مُؤكدٍ -غاية التأكيد- لأنها قضية لا تحتمل نقاشًا ولا أخذًا ولا ردًا، ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك:

)أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟ ألم يعلم بأن الله يرى(.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت