فهرس الكتاب

الصفحة 6899 من 27345

بقلم: الأديب الإسلامي معالي الدكتور عبد العزيز عبد الله الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

ومن أراد المزيد في هذا الباب ، وعن أسباب العداوة بين أبي حيان والصاحب بن عباد، الذي قصده أبو حيان فخيّب أمله ، فليرجع إلى كتاب"أخلاق الوزيرين"ففيه تفصيل ضافٍ .

وقد ألف كتابه هذا من حرقة أحسّ بها ، فصب جام غضبه عليه وعلى أبي الفضل بن العميد. ومن المناسب أن نعطي مثلًا يري مدى ما وصل إليه غضبه على الصاحب بن عباد، بسبب طلبه منه نسخ مجموعة من مجاميع كتبه، بدلًا من أن يبره كما كان متوقعًا ، وفاجأه بأن استغل حاجته أسوأ استغلال: يقول أبو حيان في رسالة من رسائله:

"وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة من هذا الذي يستحسن هذا الكلب؟! حتى أعذره على لومي على الامتناع ، أينسخ إنسان هذا القدر وهو يرجو بعدها أن يمتعه الله ببصره؟ أو ينفعه ببدنه؟". (1)

هذه نافذة تُري الجهد الذي كان يصرف في النسخ ، والتعب والعناء الذي يأتي من ذلك ؛ فنحن اليوم عندما نمسك بمخطوطة نتذكر ذلك، ونستعيد حيالها عدد الأعين التي تلفت في النسخ، والأعمار التي أُفْنِيت في ذلك ، فتزيد قيمتها في نظرنا ، وتأخذ حقها من العناية والرعاية ، والمحافظة عليها .

ومما يكمل الصورة ذكر ما عليه الورق ، واقتنائه، والعناية به ، وحفظه وصقله ، وإعداده للكتابة ، يقول صاحب معجم البلدان:

"كان في خزانة كتب بهاء الدين عضد الدولة من أنواع الكاغد السمرقندي والصيني والعتيق كل طريف عجيب". (2)

ويقول:

"في الخزانة ، بياض صيني ، وعتيق مقطوع وصحيح". (3)

وقد لا يعني لنا هذا كثيرًا ؛ لأننا لا نعرف عنها إلاّ ما يدل عليه تعددها وتنوعها ؛ ولكنها عند أهلها وزمنها تعني شيئًا كثيرًا يمكننا أن نتصوره من اللهجة التي قبل بها ذلك .

ولعلّه من المناسب بعد أن ذكرنا شيئًا من النسخ، وما جر على أبي حيان، وما ألمحنا عن أدوات الكتابة ، خاصة الورق ، أن نعطي فكرةً خاطفةً عن سعر النسخ، لتكمل الصورة ، وتنتظم حلقات الخَط وما حوله:

جاء في ترجمة يحيى بن زياد الفراء في تاريخ بغداد ما يأتي:

"فلما فرغ من إملاء:"كتاب المعاني"خزنه الوراقون عن الناس، ليكسبوا به ، وقالوا لا نخرجه إلى أحد إلا من أراد أن ننسخه له على خمس أوراق بدرهم، فشكى الناس ذلك إلى الفراء ، فدعا الوراقين ، فقال لهم في ذلك . فقالوا:"

إنما صحبناك لننتفع بك ، وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعش به .

قال: فقاربوهم ، تنتفعوا وينتفعوا .

فأبوا عليه .

فقال: سأريكم ، وقال للناس: إني مملٍ كتاب معانٍ أتم شرحًا، وأبسط قولًا من الذي أمليت .

فجلس يُمل ، فأملَّ"الحمد"في مئة ورقة . فجاء الوراقون إليه ، فقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون ، فنسخوا كل عشر أوراق بدرهم". (4) "

ولنعرف مقدار ما نسخ في ضوء حركة التأليف حينئذ ، وفي ما سبق أن أُلِّف مما يحتاج الناس إلى نسخه، يمكننا أن نعطي نماذج لما ذكر لدى الناس من كتب ، يشار إليها عرضًا فيما بين أيدينا من معلومات ، ولو أحصيت لكانت شيئًا عظيمًا ، يبين قدره ما حدث للفرات أو دجلة من تغير نتيجة ما رمي فيهما من كتب أحرقت على يد التتار عند دخولهم بغداد:

جاء في ترجمة علي بن أحمد الفارسي الأندلسي:

"أخبرني ابنه المفضل ، المكنّى أبا رافع: أن مبلغ تواليفه في الفقه والحديث والأصول ، والنِّحَلِ والملل ، وغير ذلك من التاريخ والنسب ، وكتب الأدب ، والرد على المعارض ، أربع مئة مجلد ، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة ."

وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في دولة الإِسلام قبله ، إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري". (5) "

فماذا قال صاحب معجم الأدباء عن الطبري؟ يقول عنه:

"حَصَّلَ قوم من تلاميذ محمد بن جرير الطبري، أيام حياته ، منذ بلغ الحلم إلى أن توفي ، وهو ابن ست وثمانين ، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته ، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة ، وهذا شيء لايتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق". (6)

وخبر آخر ساقه أيضًا صاحب معجم الأدباء:

"يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة". (7)

ومثل آخر على مقدار ما يمكن أن يقع على كاهل النساخ من عبء ، وما يرتزق من ورائه الوراقون ، ويرتوي منه طلاب العلم ، ويرجو من ورائه العلماء من أجر، ويأتي لنا نحن بالدهشة والاستغراب:

"أملى محمد بن عبد الواحد البارودي من حفظه ثلاثين ألف ورقة في اللغة". (8)

ويزيد الصورة وضوحًا ، والأمر جلاءً، واستغرابنا دهشة ، ما يُروى في هذا المجال عن حجم أحمال الكتب عند نقلها من مكان إلى مكان ، وهذا مجال للحديث عما يأتي منها خارقًا للعادة ، ومخالفًا للمعتاد ، ومجانبًا للعرف ، والقول الآتي يمثل ذلك:

"يروى عن محمد بن واقد الواقدي المدني:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت