"قال أبوبكر محمد بن أحمد بن عبدالباقي الدقاق المعروف بابن الخاضبة:"
لما كانت سنة الغرق (466؟) ، وقعت داري على قماشي وكتبي، وكان لي عائلة: الوالدة والزوجة والبنت؛ فكنت أورق الناس، وأنفق على الأهل، فأعرف أنني كتبت"صحيح مسلم"في تلك السنة سبع مرات؛ فلما كان ليلة من الليالي رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، ومناديًا ينادي:"ابن الخاضبة"فأحضرت، فقيل لي: ادخل الجنة، فلما دخلت الباب، وصرت من داخل، استلقيت على قفاي، ووضعت إحدى رجليّ على الأخرى، وقلت: آه! استرحت والله من النسخ" (8) ."
إنه لعمل مضن شاق، لقد اضطر إليه ابن الخاضبة مرغمًا بعدما وقعت داره على ما يملك من أثاث ورياش، فاضطر أن يمتهن الوراقة بالنسخ، ولأن عائلته - كما ذكر - ليست صغيرة اضطر أن يبذل مجهودًا متواصلًا حتى يستطيع أن يحصل على ما يقيتهم ؛ ويتبين مدى الجهد الذي كان يبذله في أنه عندما دخل الجنة في الحلم كان أول شيء خطر على باله هو الراحة من النسخ، بعد أن استلقى على ظهره وترك الهمّ خلفه، وانسل من عمل الدنيا.
وكانت الوراقة مزدهرة ازدهار المطابع اليوم، وكان للوراقين سوق رائجة، فلديهم بيع الكتب ونسخها، وفي دكاكينهم يجتمع الأدباء والمفكرون، وقصة الجاحظ مشهورة، فقد روي أنه كان ينام في دكاكين الوراقين، يقفلون عليه طوال الليل، فيبقى هناك تتنقل عيناه بين أسطر الكتب، وتمرح نفسه في رياضها.
ولعل الوراق يبدأ عمله ناسخًا، ثم يستعين بمبتدئ ثم بآخر، ثم يفتح دكانًا ويتفق مع عدة خطاطين ونساخ، فينسخ لحسابه بعض الكتب ويعرضها، وينسخ بعض الكتب بطلب من الناس. وفي الكتب ما يدل على عدد الوراقين، ويصف عملهم بدقة وتفصيل.
وليتبين لنا حاجة الناس إلى نسخ الكتب والجهد الذي يبذل ، نذكر طرفًا مما حدث بين أبي حيان التوحيدي وأحد الكبار المسؤولين في الدولة، وقد رجا أبو حيان رفدهُ، فأراد هذا استغلال حاجة أبي حيان، فطلب منه أن ينسخ له بعض المجلدات، فرأى أبوحيان أن هذا فوق طاقته، وتحت مستوى أمله، فقامت على هذا عداوة بينهما، طار شرارها، وذكى أوارها:
"قال أبوحيان التوحيدي:"
وقصدت ابن عباد بأمل فسيح، وصدر رحب، فقدم إليّ رسائله في ثلاثين مجلدة، على أن أنسخها له، فقلت:
"نسخ مثله يأتي على العمر والبصر، والوراقة موجودة في بغداد".
فأخذ في نفسه عليّ من ذلك، وما فزت بطائل من جهته. فقال:
"بلغني ذلك".
فقلت له: ولو كان شيئًا يرتفع من اليد بمدة قريبة، لكنت لا أتعطل، وأتوفر عليه، ولو كرر معي أجرة مثله لكنت أصبر عليه، فليس لمن وقع في شر الشباك، وعين الهلاك، إلا الصبر" (9) ."
ولا يكفي هذا الوصف من التعب، ولا النفرة من النسخ بسببه ، فيعيد في مقام آخر قولًا مؤكدًا عن الأمر نفسه، ويوضح الشدة التي تنتطره لو قام بهذا العمل فيقول أخذًا من قول أسهب فيه:
"فَلِمَ تُعنَّى عيني - أيدك الله - بعد هذا بالحبر والورق والجلد والقراءة والمقابلة والتصحيح، وبالسواد والبياض؟" (10) .
الهوامش:
(1) معجم الأدباء: 17/280، ترجمة: محمد بن أحمد الأنصاري الدسكري.
(2) معجم الأدباء: 13/9، ترجمة: علي بن الحسن الأحمر.
(3) معجم الأدباء: 17/56، ترجمة: المبارك بن المبارك بن المبارك.
(4) معجم الأدباء: 5/79، ترجمة: علي بن منجب الصيرفي.
(5) معجم الأدباء: 14/84، ترجمة: محمد علي بن عيسى بن الفرج الربعي.
(6) معجم الأدباء:14/153، ترجمة: علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الأسدي.
(7) معجم الأدباء: 13/126، ترجمة: علي بن الحسين الأصبهاني.
(8) معجم الأدباء: 17/228، ترجمة: محمد بن أحمد القاق.
(9) معجم الأدباء: 15/13، ترجمة: علي بن محمد بن العباس (أبوحيان التوحيدي) .
(10) معجم الأدباء: 15/23، ترجمة: علي بن محمد (أبوحيان التوحيدي)