حقيقته - تاريخه- الفئات التي حملت لواءه - أخطاره ومحاسنه
د. محمد بن إبراهيم أبا الخيل أستاذ مساعد في كلية العلوم العربية والاجتماعية/جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 11/5/1423
الحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واستن بسنته إلى يوم لقائه ، وبعد
شاع في السنوات الأخيرة ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن الكريم ، وانتشر الكلام عنه ، حتى إلفنا سماعه ، واعتدنا رؤية كتابات تمسه من قريب أو بعيد في مختلف الصحف والمجلات .
والخوض في مثل هذا التفسير ـ فيما يبدو ـ على جانب من الخطورة التي ينبغي الحذر منها ، والتوقي من الوقوع في أسرها ، فلا يجب التسليم بكل ما يكتب أو يقال في هذا الميدان إلا بعد التثبت والتوثق ؛ لأن هذا يتعلق بأصدق الكتب وأحكمها (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) (1) .
إن القرآن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الكبرى ، وهى معجزة باقية أبد الدهر ، فلقد جعل الله نبينا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين ، قال تعالى ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين … ) (2) ، وجعل كتابه آخر الكتب وأوثقها ، تكفل سبحانه بحفظه ، فلم تسر إليه يد التحريف كما حصل للكتب السابقة ، قال تعالى ( أنا نحن نزلنا الذكر وأنا له لحافظون ) (3) كما أنه سبحانه جعل هذا الكتاب معجزة ملموسة تصدق رسولنا على مر الأيام والشهور،وكر السنين والعصور. فلو سألت بعض الذين يدعون أتباع أحد الرسل- عليهم السلام- عن معجزة رسوله التي أيد بها في زمانه لنبأك بخبرها ، ولا يملك غير ذلك،ونحن المسلمين نؤمن بهؤلاء الرسل السابقين ، وبالمعجزات التي حدثت على أيديهم ، لأن القرآن الكريم أخبرنا بها ، قال تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله 000 ) (4) .
ولقد اختلف في مسألة الإعجاز في القرآن الكريم ، فمنهم من رأى أن القرآن معجز بالصرفة ، أي أن العرب كان بإمكانهم الإتيان بمثل القرآن ولكن الله سبحانه قد صرفهم عن ذلك (5) ، وهذا ما يراه بعض المعتزلة . ومنهم من قال إن جوانب الإعجاز في القرآن يمكن حصرها في إخباره بالمغيبات ، وحديثه عن الأمم الغابرة ، وإعجازه البلاغي والعلمي والعددي والنفسي …الخ . وهناك رأي ثالث يقول إن الإعجاز في القرآن الكريم سلسلة لانهاية لها ، فلا يمكن عدها ،ولا يتأتى لأحد حصرها . وهذا الرأي الأخير ـ فيما يظهرـ هو الرأي الأصوب (6) .لقد أنزل الله سبحانه كتابه على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) (7) ، وتحدى العرب الذين كان عليه الصلاة والسلام منهم ، ويعيش بين ظهرانيهم - أن يأتوا بمثل هذا القرآن ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ) (8) ، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله (9) ، أو حتى بسورة من مثله (10) ، بيد أنهم وقفوا منبهرين مشدوهين من سحر القرآن وبيانه على الرغم من تلك الفصاحة التي فيها نبغوا ، وكانوا بها يعتزون .
على أن معجزة القرآن ليست للعرب وحدهم بل للبشر جميعًا مذ بعث النبي صلى الله حتى تقوم الساعة ، قال تعالى ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (11) ولذا فلا بد للقرآن أن يحمل معجزة للعالم في كل زمان ومكان ، فكانت معجزاته في وقت النزول ، وخلال مدة النزول ، وبعد زمن النزول ، وهي مستمرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (12) .
إن القرآن خرق حجب الغيب ، وخرق حواجز الزمان والمكان ، فأخبرنا عما حدث للأمم السابقة ، وأعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بما يجرى حوله في زمنه ، فأخبره الله في القرآن بما يدبره المنافقون والكفار (13) ، بل بما كان يجول في خواطر بعض المسلمين (14) كما أخبر سبحانه في كتابه العزيز بأمور مستقبلية حدثت بعد أيام أو شهور أو سنوات ، مثل هزيمة الفرس على أيدي الروم (15) ، وفتح مكة (16) ونحو ذلك ، بل إن الله قد حدد مصير إبي لهب في القرآن ، وأن مآله إلى النار (17)
، ولم يستطع أبو لهب أن ينبس بكلمة ولو نفاقًا ليرد على ذلك (18) .
إن الله قد ادخر في القرآن من المعجزات العامة المستقبلية ما يجعل الأجيال تصدق به ، وتؤمن بقائله سبحانه ، ولو أن هذه المعجزات جاءت تفصيلية في الزمن الذي نزل فيه لوجدت حيرة لدى المؤمنين ، وربما ارتد بعضهم عن الإسلام (19) ، لأنها ستكون فوق طاقة عقولهم في ذلك الوقت (20) .