الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
قال تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام* وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسدَ فيها ويهلكَ الحرث والنسل*والله لا يحبّ الفساد, وإذا قيلَ له اتّقِ الله أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم ولبئس المهاد} (البقرة204-205-206) .
ما الذي يأسر قارئ هذه الكلمات الإلهيّة؟! وما الذي يجعله يُشَدُّ إليها فيرجع إليها المرّة تلو المرّة, ويعيد النظر فيها ذهابًا وإيابًا!
ألأنّها كلمات الربّ والتي هي صفة من صفاته؟ وهو القائل: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدّعًا من خشية الله} . أم لأنّها تكشف للمرء حقائق الباطن وتُصوّر ظواهره بأبلغ كلامٍ وأحسنه! والله يقول: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} .
أم لأنّها تُريك صورًا بشريّة كثيرة تنطبق عليهم تمام الانطباق فلا يخرمون منها شيئًا مهما قلّ أو صغر!
أم لأنّها تُسَلّيك في مواطن كثيرة تُغلب فيها بكلام الآخر في باطله وتعجز عن ردعه وغلبته في جولة المبارزة بالكلام, فتَجْبُر آلامك العظيمة فتطمئنّ أنّه {حسبه جهنّم ولبئس المهاد} .
أم لأنّها تهدّئ روعك وجزعك أمام الظواهر الكاذبة مهما علت وتعاظمت, ومهما طال تغييبها الحق عن الناس! إنّها لذلك كلّه ولغير ذلك من أمور عظام. يا إلهي ما أحسن حديثك وما أعظمه وما أحلاه وما أطلاه!
وقبل أن يتمثّل المسلم الصور البشرية المختزنة في هذه الآيات العظيمة فإنّه لا بدّ أن يَعْلَم ما في داخلها من معادلات, وكيف تعرض هذه الآيات فضائح المخبوء في هذه الصور القبيحة -صور المنافقين- المعادلة: الشقّ الأول: الدعوى والشق الثاني: الحقيقة
أولًا: الدعوى
1- {يعجبك قوله في الحياة الدنيا} : الإعجاب بالحديث يقع في النفس لسببين:-
البلاغة والموافقة؛ فالمرء يمدح القول ويتفاعل معه إذا رأى فيه قوّة الخطاب، فهي كالسحر كما سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالجمل البلاغيّة وصبّ المعاني في قوالبٍ من اللفظ الحسن تدعو السامع ولا بدّ إلى الإعجاب، والإعجاب هو مقدّمة قبول القول وقائله، لأنّ الإعجاب مبنيّ على الاستحسان، والاستحسان لا يقع إلاّ بعامل الرضا، وههنا القرآن الكريم يكشف لنا عن مزلق من المزالق التي يقع فيها الكثير من الناس جهلًا، ويستخدمها دعاة الشرّ خبثًا، إنّه مزلق جمال الخطاب وقوّة البيان وحسن صياغة الأفكار، وهذا المزلق استُخدِم كثيرًا في تاريخنا، كما يُستخدم اليوم كثيرًا في واقعنا، فكم من داعٍ على أبواب جهنّم تمكّن بحسن بيانه وقوّة خطابه أن يأسر الناس إليه، ويسوق الجموع إلى فكره وعقيدته، فعلى العاقل الفطن أن لا ينساق إلى هذا المزلق، فلا تغرّه الظواهر التي تزيّن الباطل، بل عليه أن ينظر إلى حقيقة الموضوع وإلى المعاني الجوهريّة، فيدرس الأمور دراسة الوعي والعلم، لا دراسة الجمال والزينة. ثمّ إذا نظرنا إلى الجانب الآخر من هذه المسألة لوجدنا كذلك أنّه من اللازم على دعاة الحقّ أن لا يغفلوا عن تقديم ما عندهم من حقّ وخير بأحلى عبارة وأجمل خط اب، إذ عليهم أن يتخيّروا العبارت والصور البيانيّة ما يكون داعيًا للسامع أن يُقبِل على ما عندهم من هُدى، ولا نعني بهذا أن نجمّل الحقَّ بالشهوات، وأن نخلط الحقّ بالباطل، لأنّ الكثير من الناس يتمنّون أن يَعرضوا القرآن برغيف من"الساندويتش"أو أن يَلبس السنّة ثوب امرأة حسناء ليسارع الناس إليهما، وليس هناك مثل القرآن أعظم في هذا الباب، فهو {أحسن الحديث} ولهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به مثل الريحانة، ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به مثل الأترجة، ريحها طيّب وطعمها طيّب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها حلو ولا ريح لها، وهذا يدلّ على أثر القرآن واتّخاذه وسيلة في الحجاج والحديث، ودوام الاستشهاد به، فإنّ الريح الطيّبة مدعاةٌ للقرب والقبول. والقصد من هذا بيان أنّ اللفظ الحسن لا يصحّ أن يتّخذ حاكمًا على قضيّة من القضايا، كما أنّه كذلك لا ينبغي لأهل الحقّ أن يُعرضوا عنه لأثره على النفوس والقلوب.
وأمّا الشقّ الثاني الذي يقع بسببه الإعجاب فهو الموافقة لما يقوله المتحدّث، والإعجاب ههنا بهذا الصنف من الناس يقع بسبب إظهاره موافقة أهل الحقّ لما عندهم، وإن كان هو في حقيقة الأمر يستخدم هذا لما يريده فيما بعد ذلك من المخاصمة وإثارة الشبهات وتزوير الحقّ الذي عند المؤمنين، لقوله سبحانه وتعالى {وهو ألدّ الخصام} .