عبد المنعم مصطفى حليمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا .
وبعد: فإن كثيرًا من المسلمين اضطرتهم ظروف القهر والإرهاب والظلم الذي يعيشونه في بلادهم مسقط رأسهم ـ من قبل طواغيت الحكم الجاثمين زورًا على صدر الأمة ومقدراتها، والذين يفرضون على شعوبهم سياساتهم الباطلة، وأفكارهم الكافرة الماجنة بالحديد والبطش والنار ـ إلى الهجرة والبحث عن مكانٍ يتحقق فيه الحد النسبي من الأمان لهم ولأهلهم، وأبنائهم ..
ولما كانت بلاد الغرب فيها هذا الحد النسبي من الأمان .. كانت مقصد كثير من المسلمين المضطهدين في دينهم ومعاشهم (1) .. فهاجروا إليها ومعهم أبناؤهم ونساؤهم لتواجههم تحديات من نوع آخر لم يكن كثير منهم يتوقعها أو يتصورها، تختلف ـ نوعًا ـ عن التحديات التي كان يواجهها في بلاده ..!
تحديات من جهة تزيين الباطل والترغيب به .. تحديات من جهة العرض الهائل للدعايات المكثفة لصور المجون والدعارة والفساد .. تحديات من جهة ضغط المناهج المنحرفة الفاسدة التي يتلقاها الأبناء في المدارس .. تحديات من جهة الترويج المكثف لكثير من الأخلاقيات السائدة في بلاد الغرب والتي تتعارض مع أخلاق وتعاليم الإسلام الحنيف ..
في ظل هذا الواقع المنحرف المفاجئ لكثيرٍ من الناس، يتساءل كثير من الآباء والأمهات الغيورين على دينهم وأبنائهم: كيف نربي أبناءنا التربية الإسلامية الصحيحة .. كيف نحافظ على سلامة أخلاقهم وسلوكهم من الانحراف .. كيف نحافظ على عقيدتهم وثقافتهم الأصيلة من الضياع .. كيف نربطهم بهموم أمتهم التي تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ؟؟!!
فهذه الأسئلة ومثيلاتها تراود كثيرًا من الآباء الغيورين، وتقلق عليهم مضاجعهم وحياتهم .. وهم محقون في كل ذلك؛ فالأبناء فلزات الأكباد، وقرة العين، وأمل الأمة وهم أمانة طيعة في أيديهم سيُسألون عنها يوم القيامة: أضيعوها أم حافظوا عليها، وأعطوها حقها ..؟!
لذا سنجتهد ـ إن شاء الله ـ في هذه الأوراق القليلة الإجابة على هذه الأسئلة الهامة بشيء من التفصيل والتدقيق، راجيًا من المولى أن يهدي بها العباد، ويحقق منها المراد .. إنه تعالى سميع قريب مجيب .
والجواب يكمن في النقاط التالية:
أولًا: الشعور بالمسؤولية نحو الأبناء .
ونقصد بذلك أنه لا بد للآباء من أن يتحقق لديهم أولًا شعور قوي بالمسؤولية نحو الأبناء؛ يدفعهم للمتابعة والاهتمام بالأبناء إلى درجة القلق والخوف، إذ أن هذا الشعور يُعتبر شرطًا لأي حل أو علاج، لا تنفع من دونه الحلول الأخرى (2)
الشعور بأن هؤلاء الأبناء أمانة في أعناق الآباء سيُسألون عنهم أمام الله تعالى: هل وفوا بحقهم عليهم، أم قصروا وفرطوا وضيعوا ..؟
قال رسول الله:"كُلُّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها، والخادمُ راعٍ في مالِ سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته"متفق عليه .
ومن الشعور بالمسؤولية نحو الأبناء إعطاؤهم حقهم من غير إفراطٍ ولا تفريط، ولا انشغالٍ عنهم بحقوقٍ أخرى .. وإنما يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقه بالتمام والكمال .
فليس من العدل ولا الفقه ولا المروءة أن ينشغل المرء في إعمار بيوت الآخرين، بينما بيته خرب تتآكله الآفات والأمراض المادية منها والمعنوية ..!
قال:"كفى بالمرءِ إثمًا أن يُضيع من يَقوتَ" (3) . أي من يُعيل من الأهل والأبناء .
ضياعهم من الجهة الدينية والأخلاقية والتربوية، وهو ضياع آثاره ـ في الدنيا والآخرة ـ أشد بكثيرٍ من الضياع المادي المعيشي (4) ..!!
قال:"خيرُكم، خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي" (5)
والخيرية الواردة في الحديث هنا هي الخيرية الشاملة لجميع الجوانب: المادية منها والمعنوية؛ ونقصد بالمعنوية الجانب الإيماني والأخلاقي، الجانب التعليمي النافع ..
والحديث يفيد أن من فيه خير، فخيره أول ما ينبغي أن يظهر على أهله وأبنائه، فإذا انتفى خيره عن أهله وأبنائه، فمن باب أولى أن ينتفي خيره عن أمته وعن الآخرين، ولو زعم خلاف ذلك فهو ـ بدلالة الحديث ـ من الكاذبين ..!
فمن لا يسعى ولا يعمل على إقامة دولة الإسلام في أهله وبيته، فهو غير صادق في مسعاه لإقامة دولة الإسلام في مجتمعه وأمته .
قال:"من كتم علمًا عن أهلهِ، أُلجمَ يومَ القيامة لجامًا من نار" (6)
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا} قال علي: علموا أهليكم الخير (7) . وهذا كله لا يتأتى إلا بعد الشعور بالمسؤولية نحو الأهل والأبناء .