د.فهد بن سعد الجهني* 7/3/1425
هذا العنوان جملة من درر الإمام الناقد الذهبي -رحمه الله- كررها مراراً في موسوعته العجيبه"سير أعلام النبلاء"، وهو يأسف على عدم الإنصاف في بعض الأقوال والتصرفات.
وإن من سنن الله الكونية أن رب العالمين لم يشأ أن يجعل الناس أمةً واحدةً في التوجه والتفكير والتصور، ولو شاء ربك لفعل؛ فهو سبحانه وحده الذي"لا يسأل عما يفعل وهم يُسْألون". وبناءً عليه فإن رب العالمين خلق الإنسان والخطأ والعجلة من طبيعته )وكان الإنسان عجولاً( وفي الحديث:"كل ابن آدم خطاء..".
والعجيب أن هاتين السنتين الكونيتين مع ظهورهما وتسليم الناس لهما وإنعقاد الإجماع عليهما؛ يعارضهما كثيرٌ من أبناء هذه الأمة -على اختلاف مستوياتهم ومنازعهم- ليس من ناحية التنظير (فالتنظير يحسنه كل أحد) ولكن من ناحية التطبيق والممارسة! وهو المحك وهو العمل الذي يصدق التنظير أو يكذبه!!
والذي بات ملاحظاً في تصرفات بعض ممن يرجى منهم العدل والإنصاف أنها تأتي أحياناً على خلاف ماقرره الله تعالى وفطر خلقه عليه، فترى منهم من يحاكم الناس ويصوبهم أو يخطِّئهم بناءً على رأيه وتوجهه، ويجعل من رأيه معياراً لمعرفة الحق وتصنيف الناس والحكم على الأشياء!! وهو بذلك ومن حيث لا يشعر -غالباً- يتعامل مع الناس وكأنه يريد منهم أن يكونوا على جبلةٍ واحدة ورأي واحد، هو رأيه
وتصوره وحسب! فإن حادوا عن ذلك فقد تنكبوا الصراط وحادوا عن السبيل!! ولا يعلم أو قل: لا يشعر أنه بهذا التصور يعارض سنةً ربانيةً، ويريد لخلق الله غير ما أراده الله!! ويا سبحان الله!!
وآخرون يتعاملون مع الآخرين وكأنهم (أعني الآخرين) منزهون معصومون عن الخطأ والزلل، حتى إذا ما أخطأ أحدهم خطأ أو زل زلةً كبرت أو صغرت، أقام الدنيا عليه ولم يقعدها! وهنا أمران لابد من مراعاتهما:
أولاً: إن من يتعامل مع الآخرين -مهما علت أقدارهم أو غزر علمهم- وينتظر منهم عدم الخطأ والهفوة والزلة؛ فقد ناقض سنة الله في خلقه، وأراد من خلق الله مالم يرده الله! فقد خلق الخلق وهم غير معصومين إلا من عصم الله من الأنبياء والمرسلين.
ثانياً: أن حكمه على الآخرين بالخطأ ليس بالحكم القطعي؛ بل هو ظني في أغلب الأحوال، وذلك أن الأمر لايخلو من إحدى ثلاث حالات:
1-أن تكون نسبة الخطأ إلى الآخر صحيحة وهي قسمان: أ- نسبة صحيحة قطعيه (وهذا لا يكون إلا في الخطأ في مخالفة ما انعقد عليه الإجماع، أو فيما اتفق عليه العقلاء من سائر الأمور) .
ب: نسبة صحيحة ظنيه (ومن ذلك مسائل الخلاف التي ظهر فيها الدليل بترجيح رأي ما، بحيث يظهر سقوط الرأي الآخر وعواره ظهوراً واضحاً) .
2-أن تكون نسبة الخطأ إلى الآخر غير صحيحة قطعاً .
3-أن تكون نسبة الخطأ إلى الآخر تحتمل الصحة، ولكن الرأي أو التصرف المقابل قد يكون له وجاهته ودليله؛ فترجيحي لرأي لا يلزم منه بالضرورة بطلان الآخر، وهذا النوع من التفكير لا يخرج عن قول السابقين من علماء السلف المنصفين:"قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"! فلله درهم ما أرقى تفكيرهم وأزكى نفوسهم.
أخي المسلم في كل مكان: إن من تقوى الله: العدل في القول حتى مع الخصومه فذلك أقرب للتقوى، قال الله (..ولايجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى....) .
وإني أتمنى من كل مثقف أو طالب علم أو مفكر أن يقرأ في سير السلف وتراجم علماء الأمة الربانيين العاملين المتبصرين بقواعد الشرع وسنن الله في الكون، رحماء فيما بينهم أشداء على عدوهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يبين المنهج العدل في النظر إلى من يقع في الخطأ في عمله أو قوله مع رغبته في الحق:"والعبد إذا اجتمع له"
سيئات وحسنات؛ فإنه وإن استحق العقاب على سيئاته، فإن الله يثيبه على حسناته، ولا يحبط حسنات المؤمن لأجل ما صدر منه، وإنما يقول بحبوط الحسنات كلها بالكبيره الخوارج والمعتزله الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر.." [الفتاوى (35/68) ] . وإن من رحمة الله ولطفه بعباده أنه لم يكلف المجتهدين والعاملين أن يصيبوا الحق قطعاً وأن ذمتهم لاتبرأ إلا بهذا (وذلك في مسائل الإجتهاد على مختلف أنواعها) ؛ بل كلفنا بالاجتهاد والبحث والاحتياط، ثم إن أصاب المسلم الحق بعد اجتهاده فله"
أجران، وإن لم يوفق لإصابته فله أجرٌ واحد، فسبحان الله ما أرحمه!
لذلك فإني أقول ناصحاً نفسي ابتداءً ثم كل أخٍ مسلم أن يجعل الحق وقواعد الشرع نصب عينيه، في قوله وحكمه وتعامله ، وأن يجتهد في التطبيق وليدع التنظير ورفع الشعارات! وليتق الهوى والظلم، فهو بين أمرين لاثالث لهما: إما أن يحكم بالحق الذي دل عليه الشرع أو يحكم بالهوى ، قال الله: ( ياداود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى..) الآية .. [ص:26] .
اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك.* أستاذ أصول الفقه